إنطلاقاً من الإنهيارات التي تتمتع بها المجتمعات النامية في ظل تنامي نظرية القطب الواحد، الذي ينمو على حساب شعوب ومناطق أخرى كثيرة في العالم، يحدونا السؤال لأن نطرح مفهوم الوحدة الإجتماعية للأنظمة المتفوّقة والمتفوَّق عليها في آن، لنحدّد من هذه الإشكالية عناصر الفهم لحقيقة الواقع السياسي ـ الإجتماعي برمّته. لا يُخفى على متمرّس في الفكر، أن ما يدور في العالم بأسره هو مجموعة من المصالح الكبرى، إقتصادية سياسية، ويتداخل فيها معميّات العناصر الصغرى، كالعوامل المذهبية والأتنية والعرقية، التي تجيء مطيّة لا يمكن الإستغناء عنها في لعبة مصالح الأمم الكبيرة. لكن إذا حدّدنا فهمنا لإستراتيجية الأمم الكبرى، تصبح المشكلة أخّف وأبسط تعقيداً، ممّا يبدو لبعض المحللين والمراقبين والبسطاء من الناس حتى .. إن العالم يتنازع هوية قدراته وحاجاته وفق مفهوم إقتصاد السوق ، والإقتصاد هوية ثقافية لتبيان عناصر القوة، والسلطة هي الأداة المنفذّة لرأسمال الدولة، والرأسمال هو وسيلة لإستمرار وقد يبدو غاية الأمم الحيّة..ولأن العالم يتجه إلى نظرية التجانس المعرفي، والتنافس في القدرة على السلطة، وبالتالي الدولة، أصبح لا بدّ من ذيوع فكرة الهوية كرابط أساسي للقومية، لذا صار من الضروري الإعتراف بأن الصراع بين العالم هو صراع قومي بإمتياز.. لكن المفهوم القومي يتبدل بين شعب وآخر، نظام وعكسه، مجتمع وآخر، حضارة وأخرى، بحيث لا يمكن أن نقول أن القومية وحدها لا تكفي لتبيان حقيقة شعب ومعتقد وهوية أمة. فلكي نقول أن هذه الأمة قومية هذا يعني أنه يجب أن نحدّد مفهومها وإطارها ومعناها السليم، فلا قومية دون أن نضع دلالاتها وأوصافها.. فالقومية وحدها، تعني فيما تعني الشوفينية، الطائفية، التوليتارية، الكيانية، وبالتالي قد تتهم بكل أنواع العنصرية ومشتقاتها. دون تحديد مفهوم واضح للقومية تبدو كذلك، أما وقد أضفينا عليها صفة إتحادية، إجتماعية، أخلاقية، ستتغير حكماً طبيعة صورتها.. إن أفضل ما تقع عليه القومية هو ليس إتحادها فحسب بقدر ما هو إجتماعيتها، التي تؤكد على صياغة العلاقة المتينة بين الإنسان وأرضه ومجتمعه وعالمه المسكوني..ولكي تكون تامة المعايير عليها أن تخلص لا إلى شوفينيتها وفوضاها بقدر ما يجب أن تكون إنسانية بالمطلق. أي إن شرط إجتماعيتها هو بُعدها الإنساني الكامل. وبهذا، لا نفقد السيطرة على مناحي تفكيرنا حين نقيم علاقة تبادلية تعاونية مشتركة، وقد تصل ببعدها إلى توحيد المواصفات الكونية لضمان بقاء هذا الكون بعيداً عن الحروب والمنازعات وسباق التسلح وفتك الإنسان وإفتراس المصالح بعضها بعض. ماذا يبقى من القومية الإجتماعية الإنسانية إذا كانت عولمة للرعب وإنحداراً للمناقب وتجزيئاً للقيّم، وترويعاً للمفاهيم، ومصادرة للرأي، وإكتساحاً للمواهب والطاقات؟ هل يمكن أن نسأل بعدها إلامَ سيؤول إليه العالم؟؟ هل كما يفترض أن يكون الآن؟! الولايات المتحدة الأميركية تمارس قوميتها الشوفينية على كامل التراب الكوني عبر عناصر القوة والسُلطة والهيمنة، التي ودون وازع أخلاقي محدّد جعل من عناصر علم القدرة لديها إستبداداً وتسلّطاً وقهراً للشعوب الأخرى التي لا تني تؤكد على هويتها وإنتمائها إلى الحضارة الكونية. الولايات المتحدة ستثور على نفسها إذا ما أكدّت على إجتماعيتها فحسب وتنكرّت لإنسانيتها، وذلك عبر إستهتارها بمعنى سلّم القيم الإنساني، وبسبب إستعمالها القوة أداة إستبدادية للسيطرة على حقوق الآخرين، وها هي تسقط سقوطاً مريعاً من عالم الإنسانية الأدبي بعدما إحتضنت سياستها على مدار أكثر من نصف قرن سياسة الباطل ونكثت كل الأعراف والنظم الدولية بدءاً من الحرب العالمية الأولى وعصبة الأمم وصولاً إلى عصرنا هذا والأمم المتحدة. إذاً، السلاح الأمضى الذي يفضي إلى قومية صحيحة يكون بقومية لها مدلولاتها الإجتماعية والإنسانية. وهي تتقدم وتتطور ضمن ملاءمة عصرية تحمل أبعاد الوجود الكوني برمّته. فهل من يسمع بقومية منفتحة لا تصادر مواهب الغير خلسة وجهاراً وتستغل قدراتهم بصورة سلبية. أم أننا حقيقة نملك ثمن الحوار الحقيقي المبني على الثقة المتبادلة بين الشعوب والأنظمة، أو الشعوب نفسها.. فمن مبدأ " دعه يعمل..دعه يمر"، إلى مبدأ " دعه يعمل..دعه يحب". تستأصل القوميات المتعجرفة خواص قدرتها على إمتلاك روح الإنتماء إلى الفضاء الكوني الذي لا نعرف كم سيبقى مستمراً، إذا كان السلام الذي تتحدث عنه القوميات المستأثرة بالحق على أنه قوة عاتية كبرى، بزمام المعنى الذي تعمل لأجله..دون دراية بأن آخرين يعملون ويريدون الحياة والحرية التي يشتهون. من حق الولايات المتحدة الأميركية بقوميتها أن تحمي شعوبها سياسياً وإقتصادياً وإجتماعياً، لكن من الضروري أيضاً أن تعترف بأننا نستطيع أن نحمي حقوق شعوبنا إذا ما تأكد حجم الإعتراف بأهمية المشاركة والإلتقاء بين ما نفهم وما تعي هي فهمه.. إقتراح للإستفادة، مرفوع للولايات المتحدة الأميركية وشعوبها. إنه حوار بين قوميتين، واحدة للإنسان، وثانية للآلة...ولكن دون الوقوع في مهلك الغرضية المؤدية إلى أحقاد وأهواء شخصية لا يملك العلم مرجعها!! تنازع هويات ومصالح قومية بين الأمم
السبت, 27 مايو, 2006
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية








