فضـاءات نعيم تلحــوق
موقع خاص بكتابات وقصائد الشاعر نعيم تلحوق
معلومات المدون:
الإسم : نعيم تلحــوق
البلد : لبنان
(اعرض صفحتي)

عن المدونة:
كائن لا يجدي نفعا ، يحلم بأثير شكواه ، يرابض خلف قمح السنين ، يخبّيء أحلامه خلف الثواني القتيلة، ليكسر شكواه ابن الأرض الجبلية المخمّرة بعتق الليالي وعشق الفقراء، له سبعة أعمال شعرية تغني الضوءوالريح

:: الكشف والمضمر هوية إلتباسية؟..

قراءة في مفهوم كتاب " الطواسين"   للحلاّج

  

في "طاسين النقطة" من " الطواسين" يقول " أبو المغيث الحسين بن منصور الحلاّج أن المولى ما خاطب إلاّ الأهل، أو مَن للأهل أهل، أو أهلُ الأهل، والأهل مَن لا أستاذ له، ولا تلميذ، ولا إختيار، ولا تمييز، ولا تمويه، ولا تنبيه، لا به ولا منه، بل فيه ما فيه، هو فيه، لا فيه. فيه تيهٌ في تيه، آية في آية".

 

إنه الحدس الجواني الذي يعتبر فيه " الحِلاّج" أن العقل الباطني هو المحرك والمسيّر لحركة الإيمان ـ الوجود. وانه بغير إيمان واع ٍ لحركته، لا يُعتبر الشيء موجوداً. لأن الشيء بالشيء يذكر. ولأنه هكذا، كان للحِلاّج تفسيرات وتعليلات تقدمت على ما سواه من أئمة الصوفية، ممّا جعل الناس " كشيء دون شيء" ينفرون منه، ومن كلامه، فلم يكن بإعتقاد العوام أن " الضّد" هو الفعل الحقيقي التجانسي لحركة الوجود الإيماني.. وإنما كان تركيزهم على مُنزل دون دراية بما أُنزل ـ من هنا سارعوا إلى قتله دون "بناء مفهوم المعنى في قلب المبنى" أو تبنّيه. لأنهم بعيدون عن مساره.

 

وفي طاسين الأزلِ والإلتباس يقترب الحلاّج من صورة الله فيعتبره " قطر السماء"، الذي هو العلم الحقيقي، وهو دعوى قائمة في ذاتها داخل الشيء دون تعليلها بمنطق الأحاديات. لهذا، "فالأهل"، هو الذي يعلم دون تعليل، والذي يقترب دون دليل، والذي يؤمن دون خوف أو وسيط. لهذا اعتبر الحلاّج المعنى ظاهراً على المبنى دون حاجة لتأسيس، لأن كل شيء في ذاته مؤسّس " لا به ولا منه" ودون تشكيك بغرض المعنى " بل فيه ما فيه"، ودون تشبيه للفرادة " هو فيه، لا فيه"، ودون تقرير للحركة " تيهٌ في تيه"، ودون استرخاص للفعل " آية في آية". فالوجود حركة الضد التي يَعمل بها، وهو بحاجة ماسة لفعل التواصل.

 

 " وما كان في أهل السماء موحّد مثل إبليس"، هذا الكلام نقله الحلاّج عن الله بصفة العقل الكلي المنتظر لا الموهوم، وقد أدعاه لصفة لازمة في القول  ـ كمعنى بالطبع ـ صورة التوحيد.

 

قال الرب لإبليس:"إسجد"

 

قال: لا غير..

 

قال له: وان عليك لعنتي.

 

قال: لا ضير! ما لي إلى غيرك سبيل وإني محبٌ ذليل!

 

بهذه الصورة التوحيدية، رفض إبليس المبنى ـ كشكل، وتعامل مع المعنى كلغة حياة، هو يعلم أنه إستكبر على الرب وأنه سيُنزل لعناته عليه. لذا، إستمرأ إبليس منطق البلوى وأحاطها بديمومه الصورة كي لا تقف عند حد. فقال إبليس لخالقه:

 

" لو كان لي معك لحظة، لكان يليق بي التكبّر والتجبّر! فكيف وقد قطعتُ معك الأدهار؟ فمن أعزُّ مني وأجلّ؟ وأنا الذي عرفتك في الأزل! لذا، أنا خير منه" ـ المقصود هنا أن إبليس خير من آدم الأول..

 

إن الشروع في البحث عن عالم مدرك، هو ما يجوز حصوله، لكن البحث عن عالم مجهول غيبي لا يتحرك إلاّ بإتفاق ضمني، بترتيب علني لصفة الكون ـ الوجود، هو ما يستحق أن نقف عنده.. وربما الكونين هو ما أصبح عليه الإتفاق.

 

لماذا قال إبليس للرب: " أنا خير منه"..أي للصورة التي خلقها صاحب الزمان، ( الله)  وفيه وضع منه، ليصير له ، طالما ( النحوس صفته، والناموس نعته، والشموس ميدانه، والنفوس إيوانه، والمأنوس حيوانه، والمطموس شانه، والمدروس عيانه، والعروس بستانه، والطموس بنيانه"..

 

إذا كانت هذه جميعها صفات الله في الصوفية كما إعتبرها الحلاّج، فكيف بإبليس ليقبل بالمعروض على صورة الصانع، ليصبح المصنوع شأناً دون شأن، طالما " لا إختيار ولا تمييز" منه للصورة الأولى " الربوبية"، فاستكبر ليعلو شانه، وليصبح المعروض ـ قياساً عليه ـ غير ذي قيمة معنوية طالما الطور البنائي الأول فعلٌ مشاع دون عقل مجرد أي أن يخضع لأمر وعليه أن يطيع دون أن يسأل؟!

 

لهذا، إختار إبليس طريقاً آخر. هي طريق التساوي وهذا ما سمح به الرب له ليكون، وذلك لإفادة وحاجَة ( الصورة الأولى) له. ليحلّ التماهي ربما ـ لتتعاقب الأفكار ربما..لتنفرج الحركة فلا تقع في الشلل ربما.. وإلاّ كيف يجرؤ إبليس على مخاطبة الرب بالقول: " لي قِدمةٌ في الخدمة، وليس في الكونين أعرف مني بك، لي فيك إرادة ولك فيّ إرادة، إرادتك فيّ سابقة، وإرادتي فيك سابقة ( التساوي). إن سجدتُ لغيرك وإن لم أسجد، فلا بدّ لي من الرجوع إلى صادق الأصل، لأنك خلقتني من نار، والنار ترجع إلى النار ولك التقدير والإختيار..

 

إنها فلسفة الحلول والتماهي، حيث يبدأ التفسير التقادمي في الصورة، فإبليس يعترف لخالقه بأنه سيعود إلى أمره وطوعه، لأن " النار ترجع إلى النار، ولك التقدير والإختيار!" لكنه يفضحُ سراً جلياً على معنى وجوده أول الحركة، وبأن الله خلقه أولاً" وأنا الذي عرفتك في الأزل وليس في الكونين أعرفُ مني بك". حتى وصل به الأمر لأن يعترف بالتواطؤ القائم بينه وبين الصورة الأولى بالرب ـ لدرجة التساوي في المنطق بين قوتين والإفصاح عنها: " لي فيك إرادة ولك فيّ إرادة، إرادتك فيّ سابقة وإرادتي فيك سابقة"..

 

إن الضدّ بالضدّ يذكر، وهو ما فسّره الرب على لسان إبليس، حين إلتقى موسى عم وإبليس على عقبة الطور فقال له موسى: " يا إبليس، ما منعك من السجود؟" فقال : " منعني الدعوى بمعبود واحد، ولو سجدت لآدم، لكنت مثلك. فإنك نوديت مرة واحدة " أُنظر إلى الجبل" فنظرت. وانا نوديتُ ألف مرة :" أسجد..أسجد.." فما سجدت لدعواي بمعناي.."

 

إذاً، الدعوى عند إبليس كانت بمعناه، لا بحركة الطاعة العمياء، كانت أيضاّ بعقل حتى لو جعله الأمر ينتقل من طور التلبيس إلى طور التلبُس, وهو بذلك يكمل المعنى عند الحِلاّج: حيث قال له موسى " تركتَ الأمر!" قال له:" كان ذلك إبتلاءً لا أمراً". فقال موسى له:" لا جرم، قد غيّر صورتك" ـ حيث لم يجعله على صورة آدم ـ فقال له : " يا موسى ذا تلبيس وهذا تلبّس، والحال لا معوّل عليه، لأنه يحول.. لكن المعرفة صحيحة، كما كانت ما تغيّرت، وإن كان الشخص قد تغيّر". فقال له موسى : " الآن تَذكره" ـ قال : " يا موسى، الذِكر لا يُذكر؛ أنا مذكور وهو مذكور، خدمتي الآن أصفى، ووقتي أخلى، وذكري أحلى، لأني كنت أخدمه في القِدم لحظيّ، والآن أخدمه لحظِّه!

 

هذه النقطة الدائرية  ـ الإلتباس ـ هي الضدّ الذي يجعل من المعنى فرادة ـ تميّزاً، دائماً يشعرنا بأهمية العقل المتجانس الذي يجب أن يتصارع ليضمحل ثم ليقوى ويمتد. إنه عقل يحمل صفة الضدّ ولا يحمل صفة الموات. العقل الكلي أو الجزئي مكسب برهاني على أننا نستطيع أن نكون كما رؤية الحسين بن منصور الحلاّج. حيث أثبت فكرة التوحيد بالرب تحت أي رسم جاء دون أن يُشرك به أحد، وبأنه عامل بوظيفته لا بوظيفة غيره، وبأنه عاقل يُخضع الأشياء لمعلولاتها لتصير فيه حين يكون هو فيها.

 

إزاء هذا المعيار ـ المفهوم الذي تبنّاه الحلاّج في معرفة الخالق ـ المبدع ـ يأتي في الخلاصة لنؤكد أن الصفة القائمة في الشكل هي دائماً غيرها القائمة في الجوهر. بحيث أن الضدّ الملتبس هو ما يفسر لنا بأن الله واحد يحمل كل صفات الكونين، وبأنه غير قابل للتجزأة، فهو إذاً، الصورة التواصلية الأولى المتفقة مع ذاتها ليقوم التعارض.

 

الله وإبليس واحد في الجوهر، وفي الشكل فقد إتفقت الصورة الأولى مع ظلّها ( إبليس) ليصير التقادم البنائي لصورة التواصل.. لهذا، ربما تأخذ المراحل بُعديها النظري والعقلي، مرةً بصفة العَجَل، ومرة بصفة التأني.. إنه مشروع واحد ليتكامل الضدّ مع ذاته وليضعنا في صورة واحدة تُدعى الإلتباس.. 

 

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية






زواري (اعتبارا من 15/6/2007)