فضـاءات نعيم تلحــوق
موقع خاص بكتابات وقصائد الشاعر نعيم تلحوق
معلومات المدون:
الإسم : نعيم تلحــوق
البلد : لبنان
(اعرض صفحتي)

عن المدونة:
كائن لا يجدي نفعا ، يحلم بأثير شكواه ، يرابض خلف قمح السنين ، يخبّيء أحلامه خلف الثواني القتيلة، ليكسر شكواه ابن الأرض الجبلية المخمّرة بعتق الليالي وعشق الفقراء، له سبعة أعمال شعرية تغني الضوءوالريح

:: ديكتاتورية الأحزاب...

في ظل تحكم الطاغوت الأكبر بوش بزمام المنطقة والعالم، والإدّعاءات الكثيرة بضرورة إستهلاك الديمقراطية ونفاذها على المدى الأوسع من الشعوب الراضخة للديكتاتوريات والأنظمة الأوليغارشية .. نتطلع نحن بموقع الحسد إلى هذا " الديمقراطي العظيم" الذي يفرض أشياءه على الكون ويتحكّم بمصائر الشعوب تحت هذه اللفظة المرّوعة التي إسمها "الديمقراطية"!!!

 

... وأحزابنا المناضلة في التاريخ، التي تستعظم ما يقوم به هذا  " الرئيس الديمقراطي الأرعن"، والتي حفظت على مدار أكثر من ثلاثة أرباع القرن ـ منذ نشوئها ـ دروساً في محاربة الديكتاتورية والإستبداد والقهر وقمع الحريات، وأضافت على مبادئها صيغاً جديدة ومفاهيماً قلّما نستظهرها دائماً، كمفهوم " العدالة الإجتماعية الحقوقية في المجتمعات البشرية"..وراحت تؤكد غير مرّة أن السلطة والثقافة على عداء دائم بحكم حسابات الفكر السياسي الذي يحتاج في أكثر الأحيان إلى إبتذال الحرية في سبيل تجسيد الفعل كواقع سياسي، فتأتي الحسابات لتنطلق من خميرة العمل السياسي التي تحتاج بالمطلق إلى تنازلات قد تدخل بازار النفاق الإيديولوجي العقيدي للأحزاب..

 

إذا وضعنا واقع أحزابنا تحت المجهر، لوجدنا أن التضاد الكبير بين ما تنص عليه عقائدها وما تمارس من شعارات ومواقف تختلف جذرياً عن طبيعة نشأتها وعملها، إما بسبب ضيق الأفق العقدي، أو بسبب مصالح ذاتية وآنية يقف أصحابها عندها، فتصبح الحقيقة الحاضرة واقعاً مزيفاًُ لمشروع بنائي أساسه قدرة هذا الحزب على الوصول إلى إقناع الآخر بمصداقية مشروعه الفكري والسياسي تحت كثافة الضباب القائم على جميع الأصعدة.. فينتج ذلك عقماً فكرياً أو ضحالة في الرأسمال العقائدي لهذه الأحزاب!!

 

هل الأيديولوجيا في حالة " موت سريري".. الجواب نسبياً ، نعم، لأن النصوص التي تصلح لأشخاص عاصروها وواكبوها هي سلعة وظيفية ثمنها قائم بمكانيتها وزمانيتها، ولا يمكن المراهنة على الزمن لإستجداء قيمتها وبرهنة ثمنها الباهظ..إن قيمة الشيء هو العمل به، وصقله والإضاءة عليه، وتحديث إطاره ومفهومه، كي يصبح ذات دلالة ومفهوم قائم ومتسع ومتكيّف مع الوقت المنوي الإقامة فيه. فلا يصح أن نأكل من وقت الآخرين ولا من زمنهم..

 

لقد سقطت أحزابنا في لبنان والعالم العربي ليس لأن عقائدها لا تصلح بالمطلق. فبعضها قادر على إستجلاء مكامن الخطر والمشكلة. لكن حتى هذا البعض القليل ذهب إلى غير موقع عقيدته في محاولة لإستجداء الوقت الضائع منه، أو لعدم تمكنه من إستجلاء القيّم والعمل بها.. فتحوّل المشروع هيمنة على الآخر، وحملت عدائها للمشاريع الإستعمارية والديكتاتورية القادمة إلينا بإسم الديمقراطية . فوقعت في مشكلة الحيرة بين أن تكون عقيدتها أو ديكتاتورية جديدة فإتسعت رقعة التباين وإشتدّت حدّة الخلاف بين النص وصاحبه، وبين الأصحاب والأصحاب، وبين الأحزاب نفسها وبين الأحزاب والناس، وهذا ما دعا إلى إعادة بلورة مشروع ذهني جديد لها على مختلف الصعد، مما عكس حالة من الضياع والتشتت والتشرذم داخل البيئة الواحدة والنظام الواحد وأصبح التجديد عنوان إيهامي وظيفته إخفاء الإضاحة، بدل أن تكون المصارحة هي التغيير، فكان لا بدّ من العصبوية والتيارات والفئوية الضيقة، بدل التغيير الشامل في مواصفات النص وصاحبه. وهذا ما دعا أيضاً إلى إقامة كانتونات أصولية،  متعصبة، ذات منهج واحد، بعدما فشلت تعددية الديمقراطية الواضحة، فصارت ديمقراطية زائفة من لون واحد..

 

المغامرة الحقيقة التي أعلنها " بوش البيت الأبيض" كانت جريئة إلى حدّ الوقاحة، لكنه إستعار لحزبه الجمهوري قناع أحزابنا التي تحكمها هذه العقلية للنفاذ إلينا.. فتارة يستعمل مفهوم الديمقراطية، "السيادة"، ومرة "الشرق أوسطية" و"العولمة"، ومرة أخرى " الأقلية" و"الأثنيات"، كل هذا تحكمه رؤية منعدمة ومشتّتة البنى الذاتية النامة عن قيمة الفساد الكبير في عقلية أحزابنا لناحية إستخدام أسلحة التواصل مع الآخر..

 

لقد إنقطعت أحزابنا فعلاً عن مسار التواصل الإيجابي مع الناس ضمن رؤيتها، فأحسّ المجتمع بأن هذه الأحزاب مداميك في وجهه لا لحمايته، ولم يعد الإنتاج الفكري وتحديثه هو سلعة الأحزاب الكبيرة.. وإنما النظر إلى النصوص الجامدة كمشروع بديل عن حركة المجتمع والناس، وهو ما ندعوه بالأصولية البائسة، والأصولية ستقود حتماً إلى ديكتاتورية جديدة..

 

لماذا أصبحت أحزابنا ديكتاتورية يا ترى؟؟

 

الجواب طيّه، أن أحزابنا تعاملت مع نصوصها بإطلاقية ثباتها، رغم أنها كُتبت للناس، فالنص الذي ينطلق على أساس مطلق محكوم بالموت السريري حتماً، أما النص الذي كُتب على أنه متحرك ووظيفته واعية لحركتها، هو نص ينبض بالحياة وتتوفر فيه شروط الديمومة والإستمرار.

 

إن كل نص إطلاقي يدلّل على خطورة الديمقراطية، فوظيفة المبادىء أنها وُجدت للشعوب لا العكس، المبادىء لم تُكتب لرفوف المكتبات، ولا للجدران ولا للجماد.. وإنما للمتحركات القائمة، فليس لرؤية أن تقوم إذا إنطلقت من جمادها وجهوزيتها الكاملة على أنها الحقيقة المطلقة، الحقيقة هي الزمان والمكان المتحركيّن.. وإذا ما تحّولت أحزابنا إلى هذا الفهم يكون ما تبقى منها محكوم بالموت المؤبّد.

 

إن الحقيقة الواحدة التي تبرهن عن جزء من الوقت نصفها الآخر باطل، وأحزابنا تجّمدت داخل أفكارها الحتمية على أنها الحقيقة، وهذا ينفي فكرة الآخر ولا يحاكيه. وهذا يعني بالتأكيد فداحة النص وخطورته على الصورة الكاملة فيصبح بذاته لعنة تقيم الحدّ على رؤوس الأشهاد، فنبرّر بذلك للديكتاتور بوش أفعاله السوداء بإسم الديمقراطية الكاذبة.

 

هل تنقذ أحزابنا نفسها من مغامرة عقائدها الجامدة، والوهن المميت؟!

 

 

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية






زواري (اعتبارا من 15/6/2007)