فضـاءات نعيم تلحــوق
موقع خاص بكتابات وقصائد الشاعر نعيم تلحوق
معلومات المدون:
الإسم : نعيم تلحــوق
البلد : لبنان
(اعرض صفحتي)

عن المدونة:
كائن لا يجدي نفعا ، يحلم بأثير شكواه ، يرابض خلف قمح السنين ، يخبّيء أحلامه خلف الثواني القتيلة، ليكسر شكواه ابن الأرض الجبلية المخمّرة بعتق الليالي وعشق الفقراء، له سبعة أعمال شعرية تغني الضوءوالريح

:: ماذا نفعل بالعقل؟ ماذا نفعل بالحياة؟

من أهم المظاهر الإيجابية للديمقراطية أنها تعترف ولا تلغي الآخر، ومن أهم مظاهرها السلبية أنها تفقد معناها حين تتحول إلى غوغائية دون فهم واع لها . وهو ما يظهر جلياً وواضحاً في حروب " نمرود العولمة" الولايات المتحدة الأميركية على شعوب المنطقة، وقتل الآمنين والأبرياء تحت شعارات واهية لا تدخل في بديهيات العقل المتنور طالما هي في قيّمها وقيمتها لا تحمل بذور المنطق الموضوعي.

 

ومن غير الطبيعي أن لا نقف مشدوهين لنتائج هذه الحروب المدّمرة التي يشنّها علينا " النمرود" تارةً بإسم الإرهاب وطوراً بإسم صراع الحضارات، وحيناً آخر بإسم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، هذه الحروب التي بيّنت وتبيّن أن من أبرز وأهم أهدافها سحق العقل العربي بالمطلق إلى جانب ضرب الحياة الإقتصادية والإجتماعية والسياسية. الكارثة الأولى جاءت بأيدينا نحن في العصر العباسي حين أحرقنا ـ بمعّية أو بمشيئة هولاكو وتيمورلنك ـ المكتبة العربية ونهبناها، وقضينا على العقل بإسم المقدّس. والآن يتم التحريم بجرم أن هذا العقل قد إستطاع بعد مضي قرون عديدة أن يستعيد دوره ويسجل مآثر كبرى في حقول العلم والمعرفة والإبداع والتقدم التكنولوجي، فيحرق الهولاكيون الجدد كلّ ما له علاقة بالعلم والمعرفة ويدّعون أنهم يبحثون عنه بإسم النووي ومشتقاته.

 

تبيّن بما لا يقبل الشك بأن المقصود بالبترول ليس المادة تحت قفرٍ من الصحارى بل المادة المغلفة لآبار رؤوسنا وأبداننا، ويصح أن نطلق عليها لقب " القرص الذهني المعرفي" لتاريخ المجتمعات والشعوب.

 

المطلوب ـ على ما يبدو ـ رأس نبوخذ نصر وحمورابي وسنحاريب وجلجامش وأنكيدو والفارابي والمتنبي وإبن خلدون وإبن سينا والمعرّي والخوارزمي والحلاّج وإبن عربي وإبن رشد إلى آخر السلسلة..

 

المطلوب أن يفرغ هذا " القرص الذهني المعرفي" من شحنته التلقائية والوقائية، فلا يتم ذلك إلاّ بالقضاء على معالم العقل والحضارة البابلية ونهبها كي يتم إستيقاظها بعد حين في متاحف تخص قبائل الأمّة الأنكلوساكسونية في محاولة لتزوير إرادة التاريخ والحياة.

 

هذا الفكر المدمر لحضارة الشعوب والأمم الحية أتى تحت ذرائع الديمقراطية الغوغائية التي تمارسها الولايات المتحدة الأميركية، إن عبر إحتلالها للعراق، أو عبر إلهائنا بالصراع العربي ـ " الإسرائيلي" وذبح عشرات ومئات الناس يومياً في فلسطين، أو عبر تهديد لبنان وسوريا يومياً بتلميحات وتمريرات مخدوميها في البيت الأبيض.. والذين لهم أسماء مختلفة ومتعددة، لكن رأسهم واحد..

 

والشاهد على رأس الأعيان المتحف الوطني وقصر الحكمة بما يحويه من المكتبة الوطنية ومركز المعلومات والتوثيق وجامعات الموصل وبغداد إلى جانب النهب المنظم لمعالم الفكر والحضارة الإنسانية.

 

ترى ماذا بعد فلسطين والعراق؟ وبعده سوريا والأردن ولبنان...

 

ألن تنتهي الرحلة ( خارطة الطريق) بعد؟

 

أهي رحلة إلى الشرق الأقصى تقوم بها الولايات المتحدة نحو الشرق القديم ـ الصين والهند ـ كي تحكم الكماشة على مواهب تيمورلنك وعقل وزرادشت وإله بوذا؟

 

من يسعى ليقول بعد أن أفرغ الإستعمار الجديد المتمثل ب " نمرود العولمة" بوش الصغير وشركائه الصهاينة، قنبلتهم الفراغية على تاريخ اللغة والعقل فخربطوا طبيعة الحياة فينا مما أدى ذلك إلى تحولٍ في جوهر البنية المعرفية بروحها وشكلها ومفهومها وأطرها، فالعقل العربي اللغوي كما نعلم هو تشكيل ذاتي للعقلنة وعقلنة ضدّية للمألوف ومزيج من تآلف ضدّي بين اليونانية والفارسية، اللاتينية والمغولية، الهندية والتركية فالعربية، لذا هي لغة عاصية ومحور لوعاء لا يحتمل صياغته " نمرود العولمة" تحت مفهوم إعادة قيامة جديدة للإستعمار القديم.

 

إنه إعتداء آثم على المفاهيم من حيث هي قيّم معرفية تتجانس وتتطابق وفق أهواء حركتها وهي تأكيد على حقيقة الذاكرة التي هي روح المعنى وضميره.

 

إنه إعتداء على الحياة من حيث قياسها بالفهم لا بالمطلق، ضمن مفهوم إستلابي ضدّي لمعرفة متصلة بحاجات الشعوب وفق طبيعة إختلافها.

 

إنه إعتداء على التاريخ والجغرافية من حيث إعادة تشكيل الإنتليجنسيا عبر تكوين وزرع مفهوم المعرفة المصلحية وتدمير مشاعر الهدوء والسلام والإنسانية خدمة للطاقة والذرّة وسموم التكنولوجيا الملوثة للبيئة والطبيعة.

 

إنه تدمير فاضح للعقل الحضاري يقوده من لا يمتلك في تاريخ خمسة قرون سوى حضارة الإبادة والتوسع والإستعباد وإرادة القتل المصمِم والمصمم على إلغاء إرادة الإنسان المبدع تحت عناوين واهية كبدعة الحرية والديمقراطية والحضارة.

 

ما الذي يثير سخطنا يا ترى؟ والى أي مدى أو حد؟

 

هذا السؤال، جوابه طياً أرفقته الروائية الهندية أرونداتي روي وهي من رموز منتقدي العولمة الأميركية، حين قالت في حديث لها أجرته مجلة " دير شبيغل" الألمانية العام المنصرم إثر إحتلال الولايات المتحدة الأميركية للعراق.

 

 تقول روي : " أكافح من أجل أن أبقي غضبي وغيظي تحت السيطرة. إن أهوال الحرب التي يتوجب أن أراها ورعب الدعاية الأميركية الذي يتوجب أن أتحمله في النهاية، أشعر أنه قد أجهز على كياني، وأنه قد سُرقت مني اللغة.."

 

ونحن في ظل هذه الحمأة المجنونة التي تجتاحنا والتي لا نعرف ماذا سيكون بعدها، نتداعى كمثقفين وهيئات ثقافية إلى كبح جماح الغضب الشيطاني لنبقي عقولنا ومشاعرنا تحت السيطرة، ولكي نقول كلمة واحدة في محاولة هذه الإنتكاسة الذهنية المعرفية، وبهدوء تام ماذا علينا أن نفعل كي لا نشعر أن اللغة ـ العقل قد سُرقت منا حقيقة ً ؟

 

هل سيكون علينا أن نأتي بريتشارد بيرل عربي في فلسطين( مستشار بوش وعميل "إسرائيلي")، وبول وولفوويتز في العراق، ودوغلاس فيث ( نائبيي وزير الدفاع)، وهنري كيسنجر، ومارك وسمان ( نائب وزير الخارجية)، وريتشارد هاس( مدير التخطيط)، وآدم غولدمان ( وهو صلة الوصل بين البيت الأبيض والمجتمع اليهودي)، وآري فليشر( ناطق رسمي بإسم البيت الأبيض يحمل الجنسية " الإسرائيلية") وروبرت زوليك ( من صقور اليهود المؤيدين ل"إسرائيل" عند بوش) الخ ... إلى آخر المعزوفة التي لم يتحرك خلالها أي ناشط عربي كي يدرس ظاهرة أن المقاومة هي رتاج علمي ومعرفي أكيد، وأن " البروباغندا" أو ال " ماس ميديا" هي مقاومة مضمرة ومن نوع آخر لا يستهويه العرب.

 

العرب يحبون المظاهر وربطات العنق، واللافتات الشعاريّة التي تلهي الناس عن مفاصل رئيسية في حياتها وتحكمها بآلية التفكير الرخيص بدل النظر إلى القضايا الكبيرة العليا..

 

إن أنظمة عربية لا تحترم مثقفيها ومفكريها وتسمع لها هي بالتأكيد أنظمة لا تحمل قضايا كبيرة.

 

وحقيقة نحن عاجزون أن نكون صهاينة، لا لعلّة فينا، وإنما لأننا قاصرون عن مواجهة التحديات!

 

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية






زواري (اعتبارا من 15/6/2007)