في الالتباس لا تأسس، لا حوار، لا تحرك، وإنما تساؤل فظ، تعدد شكلي- بنائي، افتراضات وهمية تغذي الحيرة والغموض والشك وهو حركة غير فاعلة بالمعنى! · الالتباس حالة نجهلها، هو منطقة خلاء الداخل فيها معدوم والخارج منها يقيم حركته مع العدم.. · الالتباس، بخلاف الغموض والحرية والمسؤولية، لأنه لا يخضع لمعايير مسبقة تحددّه، هو قيد مفتوح على كل الاحتمالات. وقد أوجد ذاته دون ذريعة أو قياس. · الالتباس عالم لا يوجد، ولا ينوجد، لكنه موجود في المعلول كفعل رؤيوي لا يقرأ إلا من داخل الحالة وبعد الخروج منها، لا من خارجها.. · الالتباس حالة تمويه الكشف بلغة القدرة، ينظر إلى الإنسان بوضعه كلاّ غير منفصل عن ظواهر وعوالم الحقيقة العقلية. يبني الالتباس حكايات غريبة وعديدة يستظلّها الإنسان في حياته. منها ما يكون بإرادته ومنها ما هو فوق العادة- أي خارج البحث المنطقي- وهذا ما يمكن أن يشعر به أحدنا في أي وقت يمكن أن يمرّ... كمثل شيء ما يدفعنا كي لا نهتم قط. كأننا فعل جماد من رماد.. فنلاحظ أن الوجود في الظاهر هو عنوان العدم في الباطن. وهو حقيقته المضمرة التي لا يفهمها أحد. نحن فيه ريح أعمى لا يفهم سوى أنه ريح، دون أن يقرّر لماذا كان؟ وكيف صار؟ ربما هو ما يمكن أو يصح أن نطلق عليه صفة الالتباس في النص الأدبي.. ليس في الوجود أغبى من العاصفة الهوجاء التي لا تدرك معنى نشأتها، احتدامها ورحيلها وفي أيّ اتجاه هي، فلا تعي علة وجودها.. لكننا نحن أحياناً – بصفة أو بغير صفة- نصمّم لنرتاح، أن نكون بلا وعي، بلا علّة، حتى لا يتعبنا المعلول.. لذا، كم سيكون قاسياً أن نختصر الانطلاقة فلا تعود تحمل في طياتها سوى الفواجع والنكبات وشتات ركام وحفاوز متناحرة. هي إذا، عاصفة هوجاء تحرق نفسها بلا سبب جدلي يذكر. وليس بالضرورة أن تحرق غيرها لتكون... فالغرابة، أنه- في شرقنا العربي خصوصاً- عندما يقع الإنسان في مأزق- فاجعة، يتحول إلى مسخ غرائزي لا يدرك العقل، ولا يفهم التقيّة. مفهوم التقيّة هو عالم جواني غير مباح؛ لا يخضع لدينونة، أو لضمير المتكلم. دائماً هو الغائب-الحاضر لكن بمفهوم أل " هو "!! إذا، لا مبرّر لوجود متحركات غائبة تصبّ في المنفعة الخصوصيّة. بالمفهوم العملي لمعنى الالتباس، لأن الالتباس هوية معلّقة غير واضحة، وغير محدّدة ذي صفة وجودية.. فالالتباس إشكالية تفهم المدى حيناً ولا تفهمه أحياناً كثيرة، هو عنوان يخيف دون سبب. هو الكل الذي لا يعرف، هو لا يفهم الخوف والجرأة، لأن انحطاط السديم على عتبة الهيولى المضمرة. لذلك، الالتقاط فيه هو الحركة التي تنجبس فوراً لتتشكّل المسافات. والذروة تنبثق منه لتكون كل الأمل باتجاه الفكرة، لأنها- أي الفكرة- هي المآل والغرض، والكمال الأرفع دون الثبات.. فالالتباس التقاط جوّاني لعالم المكان الذي هو عقدة الزمان.. من هنا يأتي الزمكان عقدة التواصل في المعرفة وسرّها. وقرار المعرفة شأن أهم من المهم في الذات العارفة؛ لأنه فعل مشاكس للضمور الساكن، غير المجهر. ولأن الجهر هو اتقاد روحي لسلوكية الدم في الحياة الفضلى. وجب أن يتحرك القرار باتجاه ما. إما ليفعل أو ليتقد بعدم الحركة.. كي نوضح الالتباس ومعناه نقول: ليس في التاريخ سوى ردّات فعل تأبى تدارك الفعل.. الفعل حضور للحرية. والتجاذب فيه انقطاع للفكرة. فالحرّ بامتياز هو الذي يعرف ماذا يريد بحقيقة العقل العارف، والعقل المستوطن الذات لا يتحقق إلا بالارادة الداخلية التي لا تقبل التعاقد إلا مع المشروع الواضح المستنير. لأنها- أي الحرية- ليست اطراءً أو زهرة أو نصباً تذكارياً.. لكن السؤال هنا، هل يمكن أن نعرف من هو الحرّ بامتياز؟! ولكي لا نقع في إشكالية الخروج على الموضوع الأساس، يهمنا أن نؤكد على مفهوم الحرية كحركة بنائية وعلاقتها بالالتباس وهو ما سنعود إليه لاحقاً في بحثنا. غير أن أهمية التعاقد مع الأرض، مع الطبيعة، مع الريف، بعيداً عن الصخب والضجيج والقرقعة شأن ضروري أيضاً في محاولة لكشف هوية الالتباس... ففي الطبيعة، المظهر اللاقط، تقيّة النفس والعقل مشتركين؛ حيث تنوء الفوضى، ليقترب الاتصال الفاعل مع الحركة الداخلية للنص بمعناه الزمني لا المكاني.. فتضمحل الوضاعة والقماءة والابتذال اليومي المحققين لإرادة التبليس، ويتجبس فعل التحقيق مع الذات الضامرة لإثارة مكامن البلوغ والسمو والارتقاء ليصير التبريك.. مفهوم الالتباس وهويته ولنعمّم أكثر، الالتباس حالة تمويه الكشف بلغة القدرة، هو مجهول منسي أو مكبوت، لأنه لم يعرف بأنه عالم الشعور، وينظر إلى الإنسان بوصفه كلاً قائماً غير منفصل عن ظواهر وعوالم الحقيقة العقلية- لكن الذي غفلنا عن معرفته طويلاً هو أن الوعي أو الشعور وحدهما غير كافيين للتحرر، وإنما لا بدّ من تحرير اللاوعي واللاشعور الغائبين حتى يتم جمع الرفض والانقطاع في تجليات الحجب التي هي الأفق الآخر لمعنى الالتباس.. ممّا يجدر الإشارة إليه، هو أن الالتباس لا يقيم الانقطاع شكلاً أو مضموناً. والاّ أصبح ذلك وهماً غير محتمل وقوعه.. فالالتباس الذاتي هو أن تتحرك ولا تتحرك- أي أن يراك الآخر تفعل بجدارة، وترى أنت نفسك تضمحل على مستوى النظام المعرفي- أي أنك تشك في نفسك أنك نفسك- الالتباس هنا ينشأ بين الآخر وبينك، وبينك وبين نفسك وبين المتصلات الدائرة في فلكك.. فلا مغامرة في المجهول في ما لم يعرف. ولا تأكيد على الذات والجماعة لأن هوية لك فيهم أو عندهم، ولا نشأة للتغيير في المدركات القائمة، لأن الالتباس حركة غير فاعلة بالمعنى.. إذا، في الالتباس، لا تأسس، لا حوار، لا هدف، لا مشروع، لا انفتاح، لا تحرك... وإنما تساؤل فظ.. تعدّد شكلي-بنائي، افتراضات وهمية تغذي الحيرة والغموض والشك.. هيمنة فعلية على المشروع العقلي-النفسي-الحضاري. ضباب كثيف يعمي رؤية المفارقة حتى ببصيرة اليد، ولا يقيم افتراضاً لرحلة الزمن. لذا، أهمية معرفة موضوع الالتباس يعني الشأن الهام في الدلالة على النص. فلا نصيّة ولا دلالة ولا معنى في مفهوم الالتباس. ولا يمكن بالتالي أن يكون الالتباس قصيدة أو صيغة خطاب، لا كتابة ولا عملاً، باعتبار أن كل خطاب أو قصيدة رسالة، تحرك في اتجاه الآخر، خطوة لإقامة اتصال ما، لبدء حوار محتمل، لتناغم شيئين نتيجة للمحصلة الأولى- الفعل- أما الالتباس هنا، فيعني نصيّة اللامعنى، الجماد، السكون، الشلل، القطع بمفهوم الداخل، خيانة الزمن بلا شروط، لأنه دحر للتواصل.. الالتباس-حقيقة-لا يكشف وضعية الانقطاع والاقتلاع، لأنه لا يفهم التحرك.. وإنما يلعب بنتيجته دور النفي واستحالة اللقاء مع الغد.. هو التذاكر مع وهم الماضي، وقد أسميناه " وهماً" ليس لأننا ضدّ الذكرى والماضي، وإنما لأنه انقطاع؛ وقد انقطع عن الأفق، صار سراباً مشلولاً، بلا إيقاع، بلا صوت، بلا صورة.. لقد دجّن الوقوف الزمني حركة التواصل، فلم تنتج.. هنا يكون الترسخ في الماضي عدمياً. لأن الوقوف في زمن يسير يوازي العودة إلى الوراء إن لم يكن أخطر بكثير.. في الالتباس الذاتي تضمحل الطاقة، تخبو، يخفت ضوءها، ينوس فعل القدرة على التحريض البعيد المدى، يتعطّل البث في ظروف عديدة- كمخاطبة الأجيال المتعاقبة- فتصبح القراءة في هذه الحالة عملية سكونية سلبية مغلقة.. لا عملية ديناميكية فعّالة، لأنها تتعامل مع اللانص، مع اللاشيء، مع اللاأثر لحياة تتميز بالنمو والتوهج، هي تهيئ لاتصال العدم بالعدم- ولا جواب.. انها باختصار، عالم لا يوجد، لا ينوجد، لكنه موجود في المعلول كفعل رؤيوي لا يقرأ الاّ من داخل الحالة وبعد الخروج منها، لا من خارجها أو من خلفيتها الاعترابية، انه شبه صدى، أو ملامسة لانقطاع ذائب في حركة الاقتلاع.. لامسؤولية في الالتباس إن الحالة الالتباسية لا تدخل في فعل الديننة ولا فعل الدّينوة.. هي حضور اللاعدد، اللامنطق، اللاشعور، اللاحصر. لذا، هي وقوف ضروري على النص، لا ليقف، وإنما ليتشذب، ليتجذر، ليصطرد، ليستقيم شكله ومعناه.. لكن دون أن يخطو. ففعل الإقدام على عمل الشيء في اللاشيء، وهو ما نسميه " كوميشين"Commission عمل غير مسؤول. لأن حركته غير موجودة أصلاً بفعل طبيعي، وفعل عدم عمل الشيء في الشيء وهوما نسمّيه " أوميشين" Omission عمل مسؤوليته معدومة أصلاً. إذا لا مسؤولية مع الالتباس، ولا مخاطرة، وبالتالي لا يمكن اعتبار الالتباس حالة فقدان لحركة الوعي والشعور، هو ليس جنوناً،أو حالة تناقض مع الفعل الأصلي " شيسوفرانيا" و هو المكان القائم بين العقل والحس ومتصل بسائر أفعال البدن الأخرى، وعلى صلة كاملة بالمتحد الروحي. إن الالتباس هو ما يمكن أن نسميه حقيقة كمصطلح علمي ثابت " تشاويس" Chaos التي تعني أصلاً- الشيء الغامض-الخلاء-أو الاضطراب أو التشويش-أو المادة الأولى قبل خلق الكون-الفعل الأول.. وليس معنى الفوضى كما تورده بعض القواميس، بحيث أن الفوضى فعل مدّبر، محسوس، عقلاني، ويتبعه مسؤولية فعلية نتيجة التصرف القائم. فالعمل الفوضوي يترتب عليه مسؤولية لأنه قائم بفعل إرادي خاضع لصيرورة زمنية-مكانية واتصال مادي-روحي. غير أن الالتباس هو الحالة القائمة بين الاثنين وغير منحاز لكليهما؛ ومرتبط ارتباطاً عملياً في الاثنين كوحدة قائمة عاملة على تحقيق الغرض المنشود أي المآل الذي إليه نزع الارتباط. والالتباس بخلاف الغموض، ليس فيه إقامة، ولا هوية، ولأن الغموض نص علني افتراضي،- في المعنى والمبنى، إذا هو يتحرك لأنه علم يفترض أن يكون فيه جهة تأويه،تحضنه، يقوم عليها ولو بنسب مختلفة.. هو مصمّم، متداخل، مبني على إيقاع ما، صورة ما، غير أن الالتباس حالة نجهلها، ولا نعرف متى نقع فيها، وكيف تجيء، من هو مسببها، هي كل العوامل، كل الجهات، وهي في الوقت نفسه لا تفترض عاملاً، ولا تلوذ إلى جهة.. هي منطقة خلاء، الداخل فيها معدوم والخارج منها يقيم حركته مع العدم، - أي هي تتحرك بموقعها ولا تقف على محور يناهض حركتها- إذا، الغموض مسؤول تجاه فعله ومع الآخر.. بينما الالتباس لا يسأل لأن اتصاله مع الآخر قائم من جهة واحدة غير كاملة وغير مؤكدة الفعل.. الالتباس نقيض الحرية وطالما بات واضحاً لدينا أن الحر بامتياز هو فعل حركي أول لا نعيه، صار من الضروري أن نبحث في الالتباس والحرية؛ هل الالتباس حر في ذاته ليكون؟ بالطبع لا.. فللحرية شروط لتصبح.. الحرية قيد لمسافة تكمن بيننا وبين الآخر.. هي ليست أن نمارسها كما نشاء.. هي أن نمارسها كما يجب أن تكون.. إذا، هي خاضعة لمعايير مسبقة، هي مضبوطة بقواعد الفعل الطبيعي والإنساني والكوني. هي قراءة في الذات الصغرى، ثم الوسطى، ثم الكبرى.. بها يكون الوجود المستمد من العدم. ومنها يصير العدم وجوداً لمعرفة السّر. الحرية لا تجري بالمتناقضات، مشيئتها البنائية في الداخل أمر قدري، ومشيئتها البنائية في الظاهر أمر جبري؛ لا مراء فيه، لا تسويف، لا تمويه.. إذا، هي انتمائية-التزامية بمعنى وجودها القائم الحاضر، لا عدمها الغائب البعيد، هي كل شيء في المتحرك إذا أرادها له ايجابياً، ولم يستعملها في الآخر منه سلبياً.. هي الحقيقة العليّة التي تكتنزها الحقيقة السفلية وتتعاون معها لتؤلف الحقيقة العظمى، وهي مسؤولة أمام الحقيقتين.. إذا، هو نقيض الحرية، باعتبار أنه لا يخضع لمعايير مسبقة تحدّده، وهو قيد مفتوح على كل الاحتمالات، دون قيام فعل احتمال واحد. الالتباس يقوم من الداخل مع الداخل في الداخل- إلى الخارج مع الخارج وفي الخارج.. دون أن يضفي صفة الفعل في الحركة.. وهو إلى ذلك، يخالف الزمن ولا يدرك فعل السلب من الإيجاب لأن الفعل اللاشعوري عامل فيه دون قرار سابق، مع الأخذ بعين الاعتبار أن أعماله غير مسؤولة.. والذي لا يتحرك، ولا يفعل ولا ينفعل يكون غير مسؤول.. هو تأجّج ساكن وضمور علني للرؤية، يخال الملتبس أنه عارف بما لا يعرف.فيكون لا يعرف ماذا يدور في داخله وما حوله. والعكس يكون صحيحاً، كما أسلفنا، أن الآخر يراه فاعلاً في ما الملتبس يدرك فعل الآخر تجاهه سكوناً وعدم معرفة في مقدرته. أو معرفة الملتبس لنفسه أنه بمقدوره أن يتحّول سكونه إلى فعل أقوى، لكن شيئاً يحول منه عن ذلك.. بين أن تحمل شعاراً وتسقط في هلاكك، سر عظيم يحتاجه القائمون على عرشك؛ ووحدة روحك وبدنك " المدرحية"، فالقائم على وحدة الروح هو الإله العتيق، المسّير لحركة الخلق، والقائم على وحدة البدن هو أنت نفسك القادر على التمييز بما يبتكره العقل والنفس من إبداع وفن.. إذا، الحاجات قائمة بحكم طبيعتها على التقاء كامل بين الأول والثاني، غير أن حركة الاتصال بين الاثنين هوية مجهولة، ورغم أنهما- الأول والثاني- حاجة ماسة ليسير النظام الطبيعي لتطور المجتمع وحركة الخلق، غير أنهما مسئولين كل تجاه الآخر. نحن إذا ضروريين بمعتقدنا، محاجون لميزان يقيم الحركة بالبعد الذاتي وصولاً للنقطة الفاصلة بين الجمود والحركة.. إذا ، نحن قائمون بمبدأ الاتصال بين الشيء ومحتواه، بين الفعل وعدمه، ونحن لا نخلق ذاتاً لأن العدم لا يخلق.. فهو قد أوجد ذاته دون ذريعة وبلا قياس، وهو يحملنا في طياته، فهو قائم من الأزل، والى الأبد، وعنوانه الالتباس، وهو بحاجة لملكة تغذّيه...
الخميس, 15 يونيو, 2006
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية








