فضـاءات نعيم تلحــوق
موقع خاص بكتابات وقصائد الشاعر نعيم تلحوق
معلومات المدون:
الإسم : نعيم تلحــوق
البلد : لبنان
(اعرض صفحتي)

عن المدونة:
كائن لا يجدي نفعا ، يحلم بأثير شكواه ، يرابض خلف قمح السنين ، يخبّيء أحلامه خلف الثواني القتيلة، ليكسر شكواه ابن الأرض الجبلية المخمّرة بعتق الليالي وعشق الفقراء، له سبعة أعمال شعرية تغني الضوءوالريح

:: الثقافة و " السكافة"

 جميل ولذيذ هذا الصراع الذي يدور في بطون الصحف بين المثقفين، واحد معارض للسلطة وآخر مدافع عنها.. لكن المخيف أن يصبح الصراع الفكري والخلاف الديمقراطي إبتذالاً بين طرفيّ النزاع.. سيما وأن الإثنين ديمقراطيان.. والى أقصى الحدود..

 

إن إحدى أهم سمات الثقافة أخلاقها، وحين " تتكعكر" الأخلاق يصبح من الصعب جداً إيجاد   " قطع وصل" بين " الثقافة" و"السكافة".. فمهما كان إختلاف وجهات النظر بين معارض وموالٍ للسلطة السياسية في بلادنا، فإن الذي يغلب على طبيعة الصراع الناشىء روحية الحوار الجاد والبنّاء بعيداً عن الإبتذال والقطع كي لا يصبح المثقف مريضاً بصفوف غرائزه وأهوائه وبعيداً عن الموضوعية..

 

في لبنان، أصبحت الأخلاق والقيّم " دقة " قديمة أي كلاسيكية، والعمل المحمود والشرف والكرامة شيئاً من حوائج العهود الغاربة، الستينات أو السبعينات، فيُقال مثلاً إذا أبدى رجل كبير برأي مغاير لرأي الحداثة الفاقعة أو " الموضة" الظاهرة هذه الأيام، إعتبر الرأي السديد والشجاع كلاسيكياً و" دقّة قديمة "..

 

هذا كل ما يستطيعه العديم أن يفعل بالسليم!!

 

يوجّه إليه رشاشاً من الإشاعات عبر الإذاعات الخاصة كي يأكل ثمرة فاتته من أحلامه الماضية..

 

إن أسوأ ما يستطيعه المثقف الضعيف هو أن يُدخل خصوصيات الآخرين في صراع ناشيء مع مثقف آخر ليبّرر حركة ضعفه، وهشاشة ما يطرحه فكرياً. طالما هو يتكلم في قضية عامة لا علاقة للناشر والقارىء في هذه " النشرة الخصوصية "، وطالما وظيفة الأدب والكتابة هي نقل الخاص إلى العام..

 

وقد أصبحت العادة في بلادنا تقول أنه من" المعيب قطعاً " أن يكون الإنسان معارضاً، فوق الضوء.. ولا بأس إن وافقه رئيس الجمهورية على كل ما يقوله ويحتاجه لكن " تحت الضوء"...

 

فوق الضوء، يصبح المشروع حالة عدائية مع المعني أو الموجّه إليه الكلام، رغم إقتناعه كلياً بكلامك قبل إثني عشر ساعة من موعد " النشرة ". ويكون يضحك معك طوال الليل على إشادتك بمواهبه وإنجازاته وما إرتكبت يداه..

 

لكن عند " النشرة " يقوم " الملكيون " ( الأكثر من الملك بالطبع) وهم من الحواشي والغلمان والفيافي، بتقديس اللغات وتسبيح الأفكار والإنجازات على أنها اليوم الموعود، وأين منها مقامات الحريري ومدينة الفارابي وفكر إبن خلدون والمعّري وصوفية رابعة العدوية.

 

المثقف السلطوي يبرّر غموض أعمال أسياده بأنها من أعمال رابعة العدوية، وليس من يفهم إلاّ " العدويُّ "  الخالص والخارج من بطون الإنترنسيوني!!

 

أنا مع السلطة حين تكون ضدّ الثقافة، ولست مع الغلمان حين يكونوا ضدّها ـ وهم مَن يدّعونها أصلاً ـ . وهل من الغرابة أن لا يرضى مثقف عمّا يدور حوله فيعبّر عمّا يكتنزه من مشاعر وأفكار؟! لماذا هو مثقف إذا ً؟!

 

المثقف " الرُقعي" هو مثقف العصر والسلطات الحاضرة، وهو يميل مع العصر لكي يعتاش  من أمانيه وأحلامه، إنه مثقف جائع في طبعه مهما تقلّبت الظروف وتبدّلت الأزمان.. ومثقف غير موزون في حجمه الثقافي وقدرته على إثبات فكره، فيروح مسوقاً أفكار الآخرين دون هدف أو دراية، ودون إقرار بعجزه على التواصل مع نصّه وما يقوله أو يكونه.

 

المثقف ليس ثورياً.. إنه متمرد دائم على العجز، وهو إنتصار للثورية ومنشيئيها.. وما العيب إذا كان " مثقف البلاط" متمرداً ومعارضاً بالإيجاب والسلب في آن واحد، كي يثبت منحى ثقافته وما يحمل، دون أن يمّس بذلك جوهر الموضوع الذي هو الحرص على عدم الهدم بل البناء.. وإلاّ؛ ما هي وظيفة النقد يا سادة؟!

 

لامني مرة أحد أصدقائي الشعراء حين تجاسرت في إحدى الدوريات الأسبوعية وقلت في مقابلة أُجريت معي عن ثقافة الميليشيات فوصفتهم بمصطلح " الميليشقافيون " ـ أي المثقف الخارج من سلطة الميليشيا المسلحة ـ وقد جاء هذا الكلام في عزّ ثقافتهم منذ عشر سنوات تقريباً. وقد إعتبرتُ أن هؤلاء أشخاص تكيفيّون يلجون المراحل كلها دفعة واحدة، أو على فترات متقطعة. ممّا يؤكد صدق ما أؤول إليه الآن عن مثل أشخاص ينافقون السلطة السياسية طمعاً بمنصب أو مركز شاغر في إحدى الوزارات أو الدوائر الرسمية. دون أن يكون للثقافة أي علاقة بالموضوع.. وهذا ما يجعلني أكثر حرصاً على ذاتي وإحترام أفكاري دون أن يُسمح لأحد بإختراقها. فليس الأدب جلوس الكرام على موائد اللئام، ولن يكون ـ الأدب الناتج عن ثقافة واعية أصيلة هي إحترام لما ندرك ونفكر.

 

على أن المعارض أيضاً سلطة ظل حقيقية وله موقع الدفاع عمّا يرغب في قوله من ضمن حصانة الفكر لكن دون إنتقاد عشوائي للحدث، بل ضمن صيانة فكره كما لو أنه ضمن الموقع الذي يوجّه إليه النقد.. فالثقافة كاللغة، تضاد، لا تحمل المفردة أكثر من معنى واحد للشيء، وهذا إن دلّ، فعلى صحة ما تؤول إليه الثقافة من حرية وديمقراطية سليمة كي يصل كل ذي فاقد حق إلى حقه، وكل إمكانية إلى دورها الفاعل والحاضر تحت الشمس.

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية






زواري (اعتبارا من 15/6/2007)