حين ينتهي العشق، يصير الحبّ غياباً، مأسوراً بحنايا الذاكرة، فننوء إلى وعدٍ إلهي بقيامة الحياة.. وحين تصير الحرية، يصبح الإيمان بقدرتنا على السير ضرباً من الهزال.. ودرباً جديداً للرقص على أمواج الروح.. وحين يبدأ الوطن، نستعير لأيدينا أجنحة عباس بن فرناس لنطير مقبّلين وجه السماء بعفّة الأرض.. وحين تطردنا الأرض، ويفسد ملحها، نذبح خيلنا على باب الدار علامة فراق الأصالة عن وحدة انتمائنا، ونكاد لا نصدّق أن جسمنا تغرّب عن أماني انبعاثه من جديد.. وحين يقوم الوعي ليحرّر الجسد ويعتق الروح، تصير قدرتنا على الاستنباط، هي الهاجس الموحي، والهاجس هو القلق المضمر.. والقلق هو إرادة المعرفة، واشتعال الحلم، واستنطاق الذاكرة. هنا، تأتي الثقافة لتكون الحياة، ولتملي عليها معنى التفرّد، كصلاة مجنون يبحث عن إله.. أيها الأخوة والأصدقاء.. يسعدني أن أكون بينكم على غير وارد تمثيل وزارة الثقافة على قدر ما أفهم الثقافة، بعيداً عن مواقع السلطة والأماكن المأسورة بهشاشة المعنى... فللثقافة عنوان واحد، القدرة، وللقدرة معنى واحد، التواصل، الثقافة بناء النفس والعقل مجتمعين، على أن نبقي لها هامشاً من المعنى والتواصل، أي الخرية.. والآخر. الثقافة مسؤولية كاملة تجاه الحدث، حتى ولو كان الحدث هشاً. الثقافة لا تقصد في الحياة لعباً بل جدّاً وكفاحاً وعملاً. الثقافة تصنع السياسة، فبمقدور مثقف حقيقي واحد أن يصنع ألف سياسي، وليس بمقدور ألف سياسي أن يصنعوا فناناً أو مبدعاً واحداً. أيها الأصدقاء والأخوة في البساتين والجبل، لقد برهنت الأحداث أن المادة تكيّف الإنسان ولا تصنعه، فالذي يصنع هو الأثير الباقية عليه هذه الروح – الصفوة من الذين يعرفون العالم، ويحبّونه على أنه معنى، لا مبنى زائل وزائف – من هنا أهمية ما تقيمونه اليوم قبيل انتهاء فصل الصيف في البساتين، ليؤكد أن الفن والإبداع صنوان متلازمان في معركتنا مع الوجود.. نحن نحبّ، نكره، نفرح، نحزن، ونموت لأننا نخاف الموت.. لكن مّن يتجرأ منّا على أن يسحق الموت بإطلالته على الزمن والقدرة على مماشاته عبرر الخلق والإنبعاث من جديد. باسم وزارة الثقافة اللبنانية أشكركم على ما تقومون به من إنجاز ثقافي فني، وأؤكد لنادي السلام والبلدية في البساتين، أن الحياة صراع، ثقافتها الحرية.. فلنكمل طريقنا باتجاه الحياة، باتجاه الزمن والحرية. *كلمة الشاعر نعيم تلحوق ممثل وزارة الثقافة اللبنانية في الأسبوع الثقافي لنادي السلام- البساتين، الذي أقيم في مبنى مدرسة البساتين في 22/8/2003
الخميس, 15 يونيو, 2006
أضف تعليقا
اضيف في 20 اغسطس, 2008 04:02 م , من قبل rera
من سوريا
من سوريا

إنها من أجمل المقالات المكتوبة على الإنترنت... :) :)
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية









من لبنان
"للثقافة عنوانٌ واحد . . . القدرة":
لم يُقال الإرادة ، بل قيل "القدرة" ، وهي أقوى ، كلنا نريد ، لكن هل باستطاعة الكل أن يقدر على فك ألغاز الثقافة ، ؟ هناك لغزٌ واحد ، مفتاحٌ واحد وعنوانٌ لكل ذلك . . . القدرة !
"الثقافة مسؤولية كاملة تجاه الحدث ، حتى لو كان الحدث هشاً " . . . لأن الثقافة هي أعلى مراتب السمو ، هي فوق الحدث ، حتّى ، فوق السياسة ، الثقافة تصنع كل شيء ولا شيء يصنعها إلا القدرة ( مفتاح الهرم) ، بمقدار هذا المفتاح أن يسحق الموت الذي تخاف منه المادة الضعيفة ، الهشّة !!