فضـاءات نعيم تلحــوق
موقع خاص بكتابات وقصائد الشاعر نعيم تلحوق
معلومات المدون:
الإسم : نعيم تلحــوق
البلد : لبنان
(اعرض صفحتي)

عن المدونة:
كائن لا يجدي نفعا ، يحلم بأثير شكواه ، يرابض خلف قمح السنين ، يخبّيء أحلامه خلف الثواني القتيلة، ليكسر شكواه ابن الأرض الجبلية المخمّرة بعتق الليالي وعشق الفقراء، له سبعة أعمال شعرية تغني الضوءوالريح

:: نعيم تلحوق: تحية الشعر*

تحية الأدب والفن والجمال، تحية النثر، تحية الشعر،

وهذي الوجوه الصباحية، هذي الوجوه الشبابية، تفاح التحيات، تحتفي بشاعر الحداثة في لبنان، نعيم تلحوق. تستلهم من روحه، أم من بوحه؟ لا فرق طالما هو يغني.

في برهته تلك تراه مشغولاً يعتصر زمن الشعر ويستخرج منه إكسيره. يأمر الأقسام أن تهز قصب الروض، كيما تجعل الأرض سكرى، فيأخذ جناح سنونوة، يروح، يجيء، يعزف على الأثير الأزرق سمفونية الأزل، فتأتلف الفراشات سطراً سطراً من الشعر، تأتلف الغمامات سطراً، سطراً من النثر، يهزّ عطفيه، تخرج حواء من ضلعه، يهمس همسة الأسحار، همسة الأبكار، همسة الأشجار، همسة الأنهار، ثم يرتاح يتلمز، يتلمز الأفكار.

تندلق حواء في روحه شلال نور. يذوب، يذوب.

يصفِّي نفسه من تراب الجسد وغبار الزمن، ينداح، ينداح حتى شهوته الأخيرة، فتكون كلمة، لا يبرح نبعها المسحور، فلربما داهمه المساء، ولربما باغته الصباح، ولما تأته بعد آيات السحر.

لا ينهد نعيم تلحوق إلا عن هيولى النثر والشعر. يجري في حاله، كما العاشق، يعيش دائماً تجارب القلب والحب، وكلما أوغل روحه في الشعر تنفس نثراً، وكلما أوغل النثر في عينيه، حتى صار عينه، أشربه الشعر. فكيف لبدنه الناحل أن يدير الرحوين. رحى النثر ورحى الشعر في البرهة الواحدة.

أثور أشور وبابل؟ يعلق بجناحيه رحوا النثر والشعر، فيطير بهما الى قرن الشمس، يسحق منهما أشعتها ويذريها باتجاه الكون، يدفئ بها أجنة الأرحام حتى تستيقظ الأحلام، أيها المجنّح المتعب بالسفر الطويل والمثقل بالوقت والحزن، لماذا تُصرُّ على المستحيل. ألم تقرأ في ألواح بابل وأشور، الرحى الى ثورين، أحوج من الثور الى رَحَوين؟ ما روحك ومعدنها، وقد علقت شباك النثر والشعر دفعة واحدة فكنت الطائر المرتعش تأبدت بين عينيه رعشة الإصرار، ورعشة الانتصار والانكسار. تأبدَّ بين عينيه النهار.

ذبيح الفراشات شدَّت على عنقك طوقها وأسالت مع لعاب المنية دم البكارات، فضّها الشعر، أم النثر. لا فرق عندها وقد غصّت بالهيولى، وجدتها آهاً على بابك، يحرسها ليلك السحري، ويكتبها حبرك السرّي، وينشدها الملوان: ملأ الإنس وملأ الجن. فماذا يقول نعيم تلحوق، وقد حشرته آلهة الأولمب، وأوقفت على كتفه الأيمن ملكاً يسأله عن سر الشعر. وأوقفت على كتفه الأيسر ملكاً يسأله عن سر النثر. كيف يستوي عنده الحاجبان. كيف يستوي الميزان. كيف يجثم النسر على أنف الزمان.

نعيم تلحوق، وقت بين الشعر وبين النثر. يسيل حين يهجر ديوان التفاصيل المملة، ويمسح عن ورق التوت حياء الزائرين، نعاس العابرين، رياء الجاحدين. يركن الى إقنومه في المدارات، يستدعي غيمة من غيوم الصيف الى فضائه، يربِّت على كتفيها قليلاً، تتعلب شفاه الشوق. تعتصر المدامة، ينفي النوم، يغني اليوم. يهلُّ على الأبيض السابق بعض غده في اللاحق. يطوي صفحة من عمر زنابقه الخمس في يده ويستريح.

تسأله عن الشعر يغني بوحاً. تسأله عن النثر: يغمس ريشته في جرح القلب، يقطر القاني على فواتيح "فكر"، ينزف روحاً في مطالع الفصول الأربع، يجدد الأعوام، يخلع عنها رتابتها. قلما احتفل بنفسه في زحمة العناوين السريعة. قلما اكترث لها، حين يهزّه الإعصار في غمرة الأحزان على وطن سليب.

يهيّء لليوم هيئته. يركن في جحر الصمت، يرقب فأرة الوقت تسرق على ظهرها أعمار السلاطين وأموال الدهاقين وأثمال المتعبين، وأذيال الخائبين.

سلني أيها الشاعر مرة، ماذا أخبئ للعيون الجميلة، للجفون العليلة للقلوب البليلة! لها مني، برهة منك، تعادل كل الشهور وكل الدهور وكل العصور. لها مني برهة منك، تقطر براً، وتمطر حبراً وتورق نثراً وتزهر شعراً.

لها مني يدي، وأنت على الراحين، وفي القلب، كتاب من صفحتين، نهار وليل. فأهلاً وسهلاً بك.
 
د. قصي الحسين
 
ألقيت في تقديم الشاعر نعيم تلحوق خلال ندوة شعرية أقامتها له كلية الآداب في الجامعة اللبنانية – الفرع الثالث.

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية






زواري (اعتبارا من 15/6/2007)