فضـاءات نعيم تلحــوق
موقع خاص بكتابات وقصائد الشاعر نعيم تلحوق
معلومات المدون:
الإسم : نعيم تلحــوق
البلد : لبنان
(اعرض صفحتي)

عن المدونة:
كائن لا يجدي نفعا ، يحلم بأثير شكواه ، يرابض خلف قمح السنين ، يخبّيء أحلامه خلف الثواني القتيلة، ليكسر شكواه ابن الأرض الجبلية المخمّرة بعتق الليالي وعشق الفقراء، له سبعة أعمال شعرية تغني الضوءوالريح

:: نعيم تلحوق... وما قيل في (انطون سعاده شعرا)

صدر عن (دار اعراف) كتاب (انطون سعاده شعراً)، اعداد وتقديم الزميل الشاعر نعيم تلحوق في 176 صفحة، قطع وسط، وغلاف ملون تتصدره لوحة لسعاده بريشة الفنان جاد حمدي، ويضم بعض ما قيل في سعاده شعراً. وتحت عنوان (هذا الكتاب)(، كتب تلحوق المقدمة الآتية: المخاطرة الوحيدة التي يمكن أن تقع في كتاب (سعاده شعراً) هي الإحاطة الكاملة بتفاصيل الحدث، صورة، فكراً وأدباً، باعتبار ان الرجل لم يكن شخصانياً لندلّل على وجه التفاصيل الذاتية، بقدر ما جعل سعاده شخصه يخرج الى رحاب الفهم العاقل لصورة الشخص الإنسان. لذا، فقد سعى الشعراء الى ابراز الوجوه المتعددة المختلفة فيه، حتى دخلت صورة سعاده في الميثولوجيا الشعرية لتصبح ذات دلالة أسطورية، يدخل في طياتها كل معاني الدفق والخصب، الانبعاث والتمرد، الشجاعة والمغامرة، وهو - الى ذلك - كان يفصل الذاتي عن الموضوعي، ويتجرّد بسهولة عن مركبات النقص الكابية في الخلق، كالأنانية والاستعلاء، الضغينة وحب الذات، ممّا حدا ببعض الأدباء والشعراء الى اعتباره مسيح عصره المنظور المعاصر، والبعض الآخر خرج عن المغالاة، ليطرحه ساحراً مقيماً في العلم، مقنعاً للعقل، رافضاً لهرطقات، عالماً مفكراً، وداعية إصلاح، والآخر الآخر اعتبره الحالم المجنون الذي تقع عليه مسؤولية زرع الاحلام المستعصية، والتي منها، التواصل مع حقيقة المجتمعات المتنافرة والمتنابذة منذ آلاف السنين، طالما عمر الإنسان يقع تحت منظور العين المجردة، ولا يخلد إلاّ الثبات.

أهو حلم المستحيل... ان يجمع القلوب، ويوحّد الكيانات يناهض منطق العشائر ويلازم منطق الانسان الجديد، المتحد الاجتماعي?? أسئلة تقع ضمن التنوع المعرفي الذي أسس له انطون سعاده، وأجوبتها أحدثت تغييراً واقلابا في مفهيم عديدة أهمها فلسفة القومية الاجتماعية التي طرحها، عبر ايمانه العميق بقدرة الشعب على التواصل الإنساني والثقافي فلم يلغِ أحداً، وحدّد شروطاً موضوعية لاكتساب الحق وتأليف معناه، واستطاع خلال برهة قصيرة من حياته ان يحدث ثورة اجتماعية كبرى في نفوس معظم أبناء المنطقة المشرقية، وهو ما حدا بالأنظمة (النيو - رجعية) التي حذر منها، ان تقضي عليه بالسرعة القصوى كي لا يتناسل خطره ويمتد، فيلفظ الشعب حقيقته المعرفية دفعة واحدة.
ولان الشعر هو لفظة الناس وضميرهم، كان لهذا الرجل الأثر البالغ على جميع الذين واكبوه أو عرفوه أو سمعوا عنه حتى... الذين انتموا الى مدرسته الفكرية، ومعظمهم انتظم في صفوف حزبه، أو حركته، أو نهضته، ولم يُنكروا فضل هذا الرجل في تغييره صورة الماضي الذي كان يعيشه كُلٌّ منهم، حتى بات فكره إشكالية العصر.
فمع بدايات القرن العشرين حتى دخول الألف الثالث، لم يزل يصر الكثيرون أن سعاده سابق لعالمه وعالمنا على حدّ سواء. مما حدا بهذا الفكر العظيم الذي طرحه ان ينتصر بسرعة هائلة، وان يترك، في أذهان الحاضرة الثقافية والفكرية والإنسانية انطباعاً هائلاً عن قدرة هذا الرجل على جمع المفاهيم المتناقضة في استثناء رهيب... عبر فلسفة جديدة هي فلسفة النهضة السورية القومية الاجتماعية، كقضية مواجهة ومواكبة وتحدٍ للواقع الانهزامي المفكك لأمة عظيمة تدعى سورية الطبيعية.
هذه الفلسفة كانت لها نظرة جديدة الى الحياة والكون والفن، وقد شكلت مع قضية الأجيال التي لم تولد بعد، كما أدركها صاحب القضية، هاجس الانطلاق نحو رؤية جديدة للتفاعل الإنساني والحضاري باعتباره أن وعي صاحب القضية سابق لجيله وجيلنا، كتب فكره بعرقه ولونه بدمه، كردّ طبيعي على نضوج فكرته وعربون جميل لقضية آمن بانتصارها. فأورثها الى أبناء الحياة، أبناء قضيته ووطنه وحزبه واصدقائه والتاريخ.
لقد كان الأدب عند سعاده العصب الذي يجمع ويشد أبناء الأمة بأسرها اليه. وقد أشار في كتاباته الى انه لو انفضّ عنه جميع السوريين القوميين الاجتماعيين لآثر السير وحيداً بلا أمل ولا عزاء.. لهذا، لم تكن فرادته لأجل محدد.. بل رؤية قائمة للزمن الآتي - فأكد على مبادئ الفن والجمال و الخير والعدالة، كعنوان كبير لصراعه الفكري - فكتب في الفن وعنه، شعراً ونثراً، قصة وموسيقى، وعبّر بالنقد العلمي الصريح والمتواضع عن نظرته الى الأشياء، ان الإشارة او التلميح أو التمحيص، حسب احاطته ومعرفته وتفرّغه، ولم يكن مدَّعياً بالاشياء التي لا يضطلع بها.
لقد أخذ الكثير من الأدباء بنقده وذكائه الحاد، واشتغلوا على نصوصهم بناء لهذه الانطباعات الرؤيوية الجديدة التي شكلت حافزاً فيها بعد، لتيار نهضوي كبير كان لسعاده الأثر البالغ في رفده وشحنه حتى بلغت وصارت ذات شأن هام في الحياة الثقافية المعاصرة (الجيل الجديد - الأجيال - النهضة - الزوابع - البناء - شعر - فكر - الخ.. من المطبوعات التي تأسست انطلاقاً من افكاره وثوابته...).
ويجيء هذا الكتاب (سعاده شعراً) تعبيراً عن الوفاء لهذا الرجل الذي بدأ على نفسه متصالحاً مع نفسه مبحراً الى تاريخ الغد.. لا الماضي لإيمانه بأن التاريخ يسجّل العظات والعبر لا الأماني والأحلام.
غريب بين أهلي، غريب في وطني، وليس لي وطن...
وكأن هذه الصورة التي أسسها سعاده جاءت لتفتح الباب واسعاً لعصر جديد اسمه الحداثة الشعرية التي لم نزل نحيا لحظاتها كما بدأت معه، والمفاجأة اننا لم نُحدث اية اضافات جديدة على اللغة والحياة خارج الهم - الهاجس. لاننا لم نزل في رهبة (لغة الحياة) التي رسم اطرها سعاده في كتابه (الصراع الفكري في الأدب السوري) حين اعتبر الادب منارة لا مرآة، لهذا. فان احترام النص عند سعاده كان ولم يزل اقوى من صورة القول والتعبير لدينا نحن...
لسنا في هذا الكتاب لنقيّم او لننقد أو لنحلّل، بل لنترك الكلام على أعنَّته يسير ويتقدم لنرى ماذا ترك الرجل - سعاده في النفوس، ولنقرأ ايضاً من خلال هذه النصوص المختارة قدرته في جعل الآخر يلتزم قضيته لأنها قضية كبيرة...
لقد نهجت في هذا العمل، التسلسل الزمني للقصائد والشعراء، رغم ان القصائد على تفاوتها، تحدو بالمناسبة ان تكون موضوعاً مستقلاً عن قيمة العمل الفني والأدبي - وذلك يوفّر عوامل أخرى التزامية، لكن دون أن نخرج عن سياق الادب كفن. لكني آليت ان لا أقع في فخ المبالغات المضنية والكلام المنثور هباءً، فاخترت نماذج من قصائد معظمها منشور في كتب أصحابها أو مطبوعة يومية أو اسبوعية أو شهرية، خاصة فيما خص الشعر العاميّ، حيث اعتمدت بعض مختارات من دوريات شهرية، أو فصلية كان لها وقعها الأدبي البالغ على المشهد الثقافي العام، وقد حرصت في ترتيب هذه المواد وجمعها بشكل دقيق، ان لا أقع في اشكالية التساؤل عن المعايير النوعية في تسلسل ورودها في هذا الكتاب.
عسى أن نكون قد وفّقنا في رد بعض الجميل لهذا الرجل، معتذرين للقارئ عن أي خطأ ورد أو هِنات وقعت عن غير قصد.
نعيم تلحوق

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية






زواري (اعتبارا من 15/6/2007)