فضـاءات نعيم تلحــوق
موقع خاص بكتابات وقصائد الشاعر نعيم تلحوق
معلومات المدون:
الإسم : نعيم تلحــوق
البلد : لبنان
(اعرض صفحتي)

عن المدونة:
كائن لا يجدي نفعا ، يحلم بأثير شكواه ، يرابض خلف قمح السنين ، يخبّيء أحلامه خلف الثواني القتيلة، ليكسر شكواه ابن الأرض الجبلية المخمّرة بعتق الليالي وعشق الفقراء، له سبعة أعمال شعرية تغني الضوءوالريح

:: الأقليات مشروع ثوري أم إستعماري؟؟

تختلف وجهات النظر في مفهوم الأقلية والأكثرية في العالم أجمع. وتجتمع عدة مفاهيم منها لتدلّل على هذا المفهوم ومنها لتذلّل هذا المفهوم عبر شق طريق أوسع من الفهم العددي أو العرقي أو الإثني له.

ولكي نجانب المداليل النظرية لهذه الحقيقة ـ المشكلة ، نرى أن التجارب العملية قد أكدّت عبر التاريخ على عدّة تمظهرات تجلّت بها الأقليات في عصور ومراحل حدت بالواقعة أن تتحول مشكلة بسبب غياب مفهوم الأسّس العلمية التي قام عليه واقع الأكثرية والأقلية عبر التاريخ.

إن إحدى أخطر عوامل اللاإستقرار سواء في مجتمعاتنا العربية أو في العالم أسره، فضلاً عن غياب الإستراتيجيا العلمية عند المشرّعين والأنظمة السياسية، وأصحاب القرارات الترسيمية، أنهم وظّفوا المفاهيم والعقائد وفق أهوائهم ومصالحهم فأقاموا تشريعاتهم ودساتيرهم ونصوصهم على هذه الأسّس، فلم يكّن بالإمكان تطبيق نظرية " العدل الإلهي" و"السلام" و"الديمقراطية" إلاّ على أساس قواعد تلغي النظريات، أو العكس، حين يصل الأمر إلى ممارسة السلطة، وإكتساب المغانم والحصص، أو الإنتخابات.

هذا الواقع أسهم في خلق مفاهيم عدّة كان لها إنعكاساتها العملانية لا العلمية والتي تجاوزت حدود فهم طبيعة العلاقة بين ما هو نوعي وما هو كمّي.

لا نقول بالنوع إمتيازاً على آخرين باللون أو بالشكل أو النسب. ولا نقول بالكّم إمتيازاً على القلَّة التي تحمل من الأفكار ما يجعلنا نقف عندها موقف إهتمام بارز من القضايا والأمور.

نحن نتكلم عن الإمتياز داخل الكثرة وداخل القلّة في آن واحد. هذا الشعور لا يلغيه إلاّ مبدأ العلم. العلمانية وحدها تقود الخائف من أنسابه وأعراقه إلى دوحة المجتمع المتكامل المنصهر في بوتقة واحدة هي الإنسان ـ المجتمع..

كل تطلّع نحو الغيب هو إفتئات على العلم من حيث كونه حقيقة تطويرية وتحديثية للحظة الواقع الراهن. وكل تقمص لدور البطل في الواقع الراهن سينسحب سلباً على البعض فينعكس أبطالاً في معارك لا تُخاض من أجل الربح والخسارة بل من أجل المعركة نفسها..

مجموعة إثنيات، أعراق، مذاهب وأفكار، تضعنا أمام صيغة توالد لا نهائية، مع مجموعة من غايات وأهداف، وإتجاهات أيضاً لا نهائية، تؤكد إنعكاس الصورة على مَن يمتلك الحقيقة.. الحقيقة لا توظّف بالأعداد ولا بالأعشار.. الحقيقة دائماً تكون في ذاتها في إيجاد صيغة للبحث عنها..

الكلدان، الأكراد، التركمان، السريان، الأشوريون، الموارنة، الروم ، الدروز،الشيعة، العلويون، الإسماعيليون، الأقباط، اليهود إلخ.. مجموعات من الأقليات تعيش على واحة كبيرة من السنّة في العالم العربي.. هل عدد النسمات هو الذي يقيس فهم الأكثرية والأقلية أم أن هناك فهماً آخر يقاس بعدد الأفكار المنتجة بين هذه الأعداد؟؟

ما تؤمن به شيء وما تفكر به شيء آخر..

القياس النوعي هنا هو كمية ما نفكر، لا ما نؤمن، ومن الإيمان الواحد.. ينعكس " إيمانات" عديدة وكثيرة وقد تكون مرتكزة على مجموعة من الثوابت، إضافة إلى أشياء وأفكار ترتكز على مجموعة من المتناقضات اللولبية التي تأخذ أبعاد معايشة الظروف.

يجب أن ننتازل عن ما نؤمن به من مقدساتنا وعصبياتنا وأهوائنا في سبيل ما نفكر وننشد مع الآخر بغية إيجاد الحلول، فتصبح الديمقراطية سعة فهم ويصير مفهومها مقرون بمعادلات كيمائية جديدة، يتمّ الإلتقاء فيها ضمن مجموعة أكثر من الافكار.. وهكذا دواليك..

في الماضي، كانت الأقليات مشروع إستعماري تمّ إستعماله لغرض تقسيمي للمنطقة المشرقية والمغربية وما بينهما، في ظل سياسة طغيان العنصر الواحد وفرض قوانين وتشريعات الرأي الواحد فيما نعتقد، وقد كان على الآخر أن يعيش في ظل قوانين ما نؤمن لا ما نفكر.. هنا برزت الحاجة إلى الدخول في تداعيات الإستلاب الوظيفي للقدرات، فراحت الملل تتشاحن والأفكار تتضارب في سبيل الوصول إلى غاية الإستعمار.. فنفذ الإستيطان الثقافي وعمل عمله ولم نزل نحصد حتى اللحظة هذا الخوف من الآخر..

لا ينفذ الإستعمار إلاّ من خلال ما نؤمن بالثوابت على أنه مقدس..

الإستعمار لا يمكنه الدخول من باب عقلنا إذا إقتنعنا بأفكارنا نحن على أنها مادة متحركة لا جامدة، تقرأ المستقبل بذهن العارف والحريص على المجتمع أولاً، لا على الأنساب أولاً، أو الأعراق، أو المذاهب..

...وقد تكون الأقليات مشروع ثوري تجديدي يحرّض الآخر على العقل في ظل تحكّم الجبروت الواحد، والعولمة التي هي عنوان جديد للإستعمار القديم.. وقد تكون وقوداً هي الأخرى إذا إنعزلت وتقوقعت ضمن قوالبها الجامدة!!

قد نحتاج من الأقليات أكثر ما نطلب من الأكثرية، وقد نطلب من الأكثرية ما ليس بحاجة إليه الأقلّية.. الموضوع هو سمّة فرق لا سمّة قيمة..

فمَن بمقدوره أن يقتنع كي يصدّق راهناً، أن المشكلة إياها ليست كبيرة إذا ما حدث إنتاج الوعي المجتمعي ضمن حقيقة المساحة الواحدة التي لا تلغي أحداً بالمطلق مهما كان نوعه وحجمه.. وبأنهم جميعاً أبناء مجتمع واحد يعيشون لأفكار الغد لا غيب فيه ولا طوطم...

ليست الأقليات مشروعاً لنهاجمه، ولا مجموعة لنعدّها ونحصيها. التفكير الرخيص دائماً يقود إلى عمل رخيص ندفع ثمنه لآجال طويلة.

إن هذا يدفعنا إلى طرح فهم أساسي وحقيقي لمعنى المشكلة. وهو أننا دائماً ننطلق إلى الأشياء والقضايا التي تواجهنا من رغبة وفهم ما نؤمن، وهذا أساس المشكلة التي تتحوّل إلى كارثة نعجز بعدها عن إيجاد حلول لها. عوض أن ننطلق إلى المشكلة ـ إذا كانت موجودة ـ عبر فهمنا لها. أي عبر ما يجب أن نفكر، لأن الإيمان شيء وإرادة التفكير شيء آخر. الإيمان سلاحه الغيب، أما الفكر فسلاحه المعرفة والإعتراف بالآخر، والمشاركة من منطلق ما يجب أن نفعل وهذا بحث أضاعته عروبتنا بكليتها حين فتحت أبواب الإيمان على مصراعيها لتقرر عن الغد والمستقبل. فغدت تخلط بين مفهوم الغيب وما يجب أن يكون، وتفرضه على الآخرين ، وأضاعت هويتها فأضاعت الآخر، وإختلفت مع ذاتها على حقيقة العرب كدين ولغة.. أم كحضارة وإنسان.

من المستحيل أن يعيش الغيب والغد في مكان معافى إذا كان الإختلاف سيد الموقف، لأن تناقضاً يحول بينهما هو المنهج .. فكيف يستطيع المؤمن أن يعبر عقل الآخر إذا كان الغد يناهض الماضي في العقل والطرح والمفهوم.. هل يصبح الأصولي المتزّمت منفتحاً، متفلتاً، إلى حدّ تستطيع معه الوصفة قابلة للصرف من صيدلية الذهن أم سيُتهم حينئذٍ الواقع بإحداث خلل ما في العقل؟؟

الإنصهار المجتمعي هو أساس الحل، وقاعدة المجتمع ـ الإنسان هي التي بمقدورها أن تقدم حلولاً إذا ما تمّ التفكير بها على أساس الإنتماء إلى الحاضر الآني لا المقدّس الغائب.

القلّة تعني الندرة ـ والندرة تعني توسيع آفاق المستقبل إذا تبدّد الخوف من عقدة الإيمان.. والكثرة مقدرة على جمع الإستلاب الكمّي وتحويله إلى فضاء نوعي ضمن حقيقة واحدة أساسية هي المجتمع.

لا حقيقة لأفراد سياسيين إلاّ جماعات، ولا قيمة فنيّة وتاريخية لحضارة إذا إستوت على خوف. لأن الخوف هو التوتر وهو بَلَسٌ مقيت لحقيقة الذات بوصفها جمعاً لا بكونها نفساً واحدة.

تكون الأقليات دوماً، مشروع تهديد حضاري إذا ترافق ذهنها مع جماد، أما إذا أحاطتها حركة أكثرية متفاعلة تحمل نسيج سمة الفرق في القيمة الإجتماعية، يصبح عندئذ " لأثينا" الخليط المتفاعل إنتصار مشروط ومسبق على " إسبارطة" اللون الواحد. وتبقى أثينا وتسقط إسبارطة في التاريخ.

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية






زواري (اعتبارا من 15/6/2007)