حين يدخل الأدب نفق الواقع من بوابة الحلم ندرك أن مخاطرة كبيرة ستقع دون تخطيط مسبق في رسم تضحياتنا، أو تسجيل أفعالنا، كما ينبغي، لكن حدثا يقول، أن في الرواية يلعب التداخل اللحظوي في النص دوره لتنعتق منه الإنشائية ولتخرج الأفكار من سر تعبها الممجوج بالتكرار والاستلاب ، فيصبح توليد الحدث نشاطاً ذهنياً مكثفاً لتحقيق عناصر الرواية. وإذا كان الأدب مرآة صادقة للتاريخ لا التاريخ مرآة صادقة للأدب، فهذا يعني أن انشغالاً بنيوياً، قد وقعنا فيه، وهو فعل التحريض على تقديم الصور لتخرج من سياق مبناها وتوظف في قدرة معناها، نحو تعبيرية صادقة موضوعية، تقيم الحدث لتضيء على أبعاده، وتستدعي الأشياء إلى الاقتران به.. وهي وظيفة قطعية تخرج من تصور الملائمة الذاتية إلى فكرة الأدب المقرون بالجرأة العارمة... نحن اليوم أمام كاتبة روائية استدعت الحدث واقترنت به لتسجل فيما كتبت استيلاء قدرتها على المناورة في التشكيل الروائي لموضوعاتها المتناولة – فآمال آل كاشف الغطاء، قررت قبل ولادتها كشف الغطاء عن معظم موروثات العقل الذكري الذي أمعن في سرد ظواهره وبواطنه دون أن يتثاءب أو أن يضع فاصلة أو نقطة على سطر كبريائه فيهمس هذا العقل الذكري في أذنها وهو يحتضنها : أقسم انه لن ادع القدر ينال منك – مهاجماً عزرائيل، وأشباح الموت الثقيل. بيد أن آمال التي كتبت معظم رواياتها تحت حكم الديكتاتور، أذعنت أن فاطمة التي جعلتها رمز المرأة العراقية هي حالة أكبر من العراق نفسه، فالرغبة والألم والحب مواضيع لا تسعها مخيلة الحكام والأنظمة العربية كي نتوهم أننا مهزومون، فإكليل الشوك لم يكن فقط بين مدينتين بقدر ما كان عنواناً لافتقارنا العقل الدحضي والجرأة في القول والفعل في آن... وإذا زعمنا أن "الحرب هي الحرب"، على حد قول ألبرتو مورافيا، فانه ما كان على آمال أن تكشف الغطاء عن واقع ارتهاننا لقطعية الزمن البليد الذي يستأثر بأحلامنا كي تكتب بعد سقوط الديكتاتور. فالديكتاتور الذي في داخلنا مأزوم منذ فجر التاريخ، ولا يعني قطعاً أن الأدباء المثقفين على مدى عشرين قرن، كانوا محظوظين في مقابلة وجه ربّهم حين انشدوا الحرف لغة حرية منذ التاريخ الجلي، وهذا بالتأكيد يحملنا على طرح مقولة المثقف والسلطة بما يختزن كل واحد منهما في إدراكه للآخر... فالأديب نبراسه الأدب، و السياسي متراسه السلطة، ولم يصبح المتنبي متنبي العصر سوى لأنه اقتنع انه لا ملك للشعر غير الله، فأدار بطموحاته نحو سيف الدولة كي يستظل السلطة... فكل مثقف جريء هو في الحقيقة مشروع شهيد داخل أرضه أولا ... الروائية آمال آل كاشف الغطاء التي تحمل في داخلها شجون المرأة وقضاياها، تحرض العقل البشري على مخاطبة الذهن الإنساني بإنسانيته لا بذكوريته العالقة في مفاهيم الردة والتقليد، فهي قد برزت في مجموعتها الأخيرة " الرغبات تتحطم" من خلال عودتها إلى البيت والتبادل في الصحراء مروراً بالمدرسة والبيت والزواج المروع، وبناء المسجد، والخيانة المدمرة، وصولاً إلى الصراحة والهدوء القاتلين، لكن صورة الذكرى لديها بقيت تعشعش في ذهن فاطمة التي أخرجتها الكاتبة من أحلامها لتضعها في مواضع مختلفة في الصور والتداعيات ومع أشخاص وحالات متنوّعة جسدت فيها ، صورة المرأة الخائنة والمثقف البسيط،والرجل الخائن والمثقفة البسيطة، كأنها تقدم دراما مشهدية طبيعية لفكرة أن الإنسان هو الأنثى والذكر في آن واحد ... وأن النظام والفساد والحب والألم عناوين لا يشملها الانحياز، ومن هنا يبدأ الإبداع الروائي ... فالرواية هي أنا في الآخر، والآخر في الذات... قبل أن أتعرف على بعض أعمال الكاتبة الروائية الدكتور آمال آل كاشف الغطاء، همست في أذن صديقي العزيز فضل مخدر، يوماً ما ستكون نهايتي عمل روائي استعيد به نفسي من هاوية الشعر، وسأكون على موعد مكشوف مع ذاتي في شارع الفضيحة. بيد أني ما أخافه أن يمسكني أحد العروبيين الأحرار ذات صبح أو عشية بيدي، ويعتقني بكمّي، أو يرسل إليّ فيروساَ حضارياً على شبكة العولمة الحضارية، أو بصاروخ نووي قائلاً لي : أهلاً بالديكتاتور ... كما كشف والد آمال الغطاء عن بدنها ولم يدع القدر ينال منها، تجيء هي الآن لتكشف الغطاء عن عيوبنا، جاعلة القدر يدير شأن الأحداث بموضوع غير منحاز.. فشكراً لك ولعراقك الذي هو عراقنا وأهلاً بك في بيروت التي هي بيروتكم
الجمعة, 29 يونيو, 2007
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية








