لا يصير الشعر وعياً إلا اذا تغذى بمفاهيمه الخاصة، وقد لا يكون الشعر هو الحقيقة الواحدة في هذا العالم، لكنه الحاجة الحقيقية الأساسية لفهم حركة الوجود.. بهذا تصبح مفاهيمه خاصة لأنه قادر أن يبدأ حين يصيح الكلام لا تبدأ..
أكان ذلك إبداعاً جمالياً، أو حركة تدبُّ في قلب حياة..
بذا، بدأ التكوين بسيرة - الدائرة - العين - العقل.. التي تأسست عليها مفاهيم اللغة والحياة، ثم أعاد الحلاج اكتشاف السيرة، بفعل التدارك ولغة الإستفهام الدلالي: (أنا هو الحق، الله في جبّتي?). وذلك ليثأر من نفسه عمّا يكون العالم فيما لو لم يكن هو العالم، أو لم يكن العالم نفسه موجوداً به?!
في المخاطرة النصيَّة الاولى من المجموعة، كانت الدائرة - العين، هي الإشارة، فبدأت بضمير الأنثى وانتهت بضمير الذكر، فجاءت كالتالي: (قيامة العدم) (هي القصيدة الأخيرة)، (لكن ليس الآن)، (وطن الرماد) (هو الاخير).
هنا تتوقف الإشارات والرموز، لتتقادم الرحلة!!
الجمعة, 20 يوليو, 2007
بعد (قيامة العدم) (1986)، (هي القصيدة الأخيرة) (1990)، (لكن.. ليس الآن) (1992)، (وطن الرماد) (1994)، (هو الأخير) (1999)، (أظنه وحدي) (2001)، و(يغني بوحاً) (2005)، صدر عن دار فكر للأبحاث والنشر ديوان (يرقص كفراً) للشاعر نعيم تلحوق، في 96 صفحة، قطع وسط، الطبعة الأولى 2007، غلاف وخطوط الفنان علي عاصي ورسوم داخلية للفنان سمير الخليل. اهدى تلحوق الديوان (الى التي صرخت جرحها، قبل ان تأخذ الرحمة انفاسها): (قتلوك يا ولدي)... الى أمي، باقة في ضمير الشعر.
وقدّم للديوان بـ(كلمة تبدأ)، جاء فيها:
كلمة تبدأ
ويسأل احدهم: ما جدوى الكتابة وما جدوى الشعر إذا كان لا يعرف إلاّ الأجزاء ولا يستنبط الوجود وحركة الحياة?!
نضيف الى السؤال حركة ليصبح: ماذا لو كان الوجود برمته مأسوراً باضافة قد لا تكون نحن وإنما شيء آخر هو الشعر?. من السؤال نبدأ، سواء في التفاصيل المعرفية لحركة الحياة وقضية المعرفة، ولا يكون ذلك الاّ بالتغذي من مفاهيم الشعر نفسه?
وإذا استعصى فهمنا للمدرك، سبحنا في قيم أعلى، لندرس ظاهرة فهمنا لأنفسنا على هامش القول - المتقن - لا القول - الداشر الذي لا يصرفه بنك المعرفة المنظم لحركة النص.
هنا نسترجع السؤال بلغة التخمين والإشارة: (أنا هو..) وبقي اللغز معلقاً في فعل الإبداع عينه!!
وإذا ذهبنا الى أدنى، لوجدنا ان الشعر فعل مطاردة، ومشاكسة. هاجس تعبير لغوي يتكرّس في ذات مضمرة، ينعت كاتبه بالخائن، ومريده بالغاوي، وصورته بالجمال الإبليسي.. وربما ينهج أحدهم ليؤكد أن الشعر فعل إبليسي بامتياز دلالة على المشاكسة النصية للمتعارف عليه بين العامة..
لكن ما يبقى هو العمارة البنائية للشعر والتي تقوم على الفكرة والصورة والإيقاع.. وإذا خلت العمارة من جوهر إحداها، ارتبك عند البعض، وتقادم عند البعض الآخر.. رغم أن عمارة النص تبدأ دائماً بجوهر لغوي، علامَ القول، طالما أن الحاجات هي المناخ لحركة الحياة. فنحن نأكل بحاجة الجوع، ونشرب بحاجة العطش، ونلبس بحاجة البرد، الخ.. وما حاجة العالم اليوم للشعر???
هذه الأسئلة ينهجها الأدنى لصياغة حركة وجوده. أما الشعر، فهو لغة المستطاع بالإمكان المعرفي وهو حركة وعي تستمد روحها من مكان لا وجود فيه للحاجات الدنيا.. انه المطرح الذي يخرج فيه الجمال والصرخة والتعبير والضمير، من آلة الأنا الدنيا، الى آلة الواو... الجمالي - السحري والمشهد العاق.. هنا يصبح الشعر حاجة العالم..
اما المخاطرة النصية الثانية التي أضعها أمام القرَّاء هي السؤال المعرفي الذي به يبتدئ العالم: (أظنه وحدي) (يغني بوحاً) (يرقص كفراً)... على أن يبقى عنوانان، تنتهي بهما هذه المخاطرة. وكل عنوان يحمل مشهداً رؤيوياً من الشعر كحاجة حياة..
المؤلف
(صحيفة الأنوار في 20/7/2007)
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية








