يستحسن في الذي يريد أن يبدأ حياته في لبنان، أن يكون على اضطلاع واسع بفنون المعايشة وأن يكون مغطىّ على المستويات كافة. والا أصبح اسمه " ضيعانو". المقصد بالمستويات كافة كل مناحي الحياة، قديمها وحديثها، كأن تقول: أنا ابن فلان، عائلتي أصلها فلانية، عشيرتي من سلالة الأنبياء الأبطال، أو القديسين الشهداء، أو عظماء التاريخ، وارث لمجد ثقيل بشقيه المادي والمعنوي؛ حاصل على أعلى علوم الأصول البيروقراطية، متمسك بجذور السلف، محافظ على صيغة الوفاق والتعايش، مسنود سياسياً، مدعوم اقتصادياً، مرموق اجتماعياً، مدافع شرس عن المظلومين والحيارى!! حامل لصفات الله في خلقه، ويزيدها تأكيداً في آخر الشوط: أنا من روح الله!؟! و"التغطية" بهذا المعنى يحملها عشر الشعب اللبناني على تنوع مشاربه وآرائه وأهوائه. لكن بالمفرق وليس بالجملة.. لأن واحداً يحمل هذه الصفات جميعها، وكل واحد من هذا الشعب يدّعي انه الواحد...فتصبح " التغطية" هنا كلمة تقديرية على من تقع عليه هذه" التسمية"!؟! منذ شهر قضى صديق لي نحبه عن عمر يناهز الخمسين، ابن قرية فقيرة متواضعة، خرج من لبنان على بركات الله أبان الحرب. هذا آخر ما سمعته عنه قبل أن تنقطع أخباره. وكانت من إحدى صفاته التي عرفتها فيه " الكتمان" إضافة إلى خضوعه وورعه..يكفي شره وعائلته وأصدقاءه ومجتمعه. ومن محامد آثاره أنه لا يلفظ الأسماء والأمكنة والحوادث إلا طوعاً. وقد كنت وأصدقاء لنا نطلق عليه لقب " معتر" أو على بركة الله!! وشدة اشتياقي للذكريات ولصديقي الذي لم تسنح لي الفرصة رؤيته بعد سنين الدراسة الجامعية، قررت أن أحضر مأتمه شفاعة مني بأنه سيشعر بوجودي ولتطمئن روحه بهذه الزيارة الميمونة قبل عذاب القبر..!؟ جلست بقرب أخيه في المأتم لأتقول معه سبب موته وكيف كانت أحواله قبل المنية؛ فقال لي بغصّة: لا أعرف إذا تأكد خبر انتحاره...! قلت هلعاً: انتحار.. ولماذا؟! قال: هذا الذي تعجبنا له، كما تعرف صديقك منذ أيامكما معاً.. بقي هو.. هو...لا زاد ولا نقص.. لا بل زاد أن أحواله تحسنت كثيراً في الغربة، وكان حسبما علمت من أحدهم تابعه من هناك، يرسل حسنات مخفية إلى عائلات مستورة، وكما عرفنا من الجمعيات الخيرية أنه تبنى مئة يتيم على نفقته، وكان يرسل لأمي وأبي وإخوتي المتزوجين – وأنا منهم – وأخواتي المتزوجات، مبلغاً مرموقاً كل شهر دون أن نشعر أننا بحاجة لشيء البتة. وكم كنت أحثه على الزواج كي تكتمل فرحتنا بعائلة له تحمل اسمه. لكن الغريب الذي لم نفهمه بعد أنه كان يطلب منا دائماً أن لا نقول أنه يرسل أموالاً إلينا.. هنا قاطعته منذهلاً: ولماذا انتحر اذاً؟!! قال لي بشفتين مقلوبتين: وجدنا ورقة له مع الوصية في خزنته، كتب عليها: سامحوني – كنت أظن الدنيا غير ذلك؟!!! وبينما أنا أفكر في هذا الكلام – الورقة – شبه الوصية.. وهذا المأتم المتواضع بوجوه كلها متسائلة متأففة، أيقنت لماذا كتب صديقي هذا الكلام قبل انتحاره، بعد ما دخل وفد من إحدى القرى القريبة ليقول مشاورة؛ الناطق باسمهم: الله يرحموا قد ما بيستاهل الرحمة.. الخبر أسفنا، وتأكدنا انوا اللي بيعيش بلا ضهر آخرتو هيك بتكون.. الظاهر ابنكم مش " مغطى"، ضيعانو.. وردد الجميع خلفه: " ضيعانو" ضيعان شبابو(...) حينها أيقنت لماذا مات صاحبي مدحوراً...
الاحد, 22 يوليو, 2007
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية








