قصر النظر في الرؤيا عند العرب يجعل من إحتمالات وصول الولايات المتحدة الأميركية إلى المناطق التي تبعد عنها أمراً سهلاً دون أن تصل هي بكامل أجهزتها وعتادها العسكري؛ فالوصول لا يقتضي وجوداً بشرياً أو أمنياً أو سياسياً. بقدر ما يكون بوسائل تقنية أهم وأدهى كان من إحدى أهم تجلياته الأساسية أنه إختراعها. هذه الوسائل (القصيرة النظر عند العرب) ـ البعيدة المدى عند الإدارة الأميركية ـ تُدعى " سياسة الطير". هذا الواقع ينطبق على معظم سياسيينا في لبنان والعالم العربي، وربما في بعض دول العالم، التي يحدث أن تطير وتحلق حين يصبح واقعها عرضة للخطر.. ويصبح أمرها مكشوفاً وفاضحاً إلى حدّ لا يعود " لماء الوجه" أي إعتبار أو معنى، لأنه ـ أي الماء ـ إمّا يكون قد جف وتبخرّ، وإمّا ضحالة وفظاعة الأوساخ فيه تكون قد أسبغت عليه صفة أخرى غير إسمه. الملاحظ أن كثافة القوانين التي تخدم شعوبها، قد وُضعت لفئة معينة من الشعب.. القانون سُنَّ للغني لا للفقير.. للقبضاي لا للآدمي، للعصابات لا للصلاّح وأخيار الناس والمجتمع. فيما نحن نقول هذا الكلام، نشهد واقعة مؤلمة وقعت للأسرى والسجناء العراقيين حين سرَّبت إحدى أجهزة المخابرات في الدولة العظمى نفسها المدعّوة الولايات المتحدة الأميركية، شريطاً عن سلسلة فضائح وجرائم وتعذيب لا أخلاقي، ينافي القانون العسكري في العالم، كان من جملة ما حدث أن بلاد الديمقراطية والقوانين والحرية، نفذت من مصيدة الخطر خلال محاكمة الكونغرس لوزير الدفاع الأميركي رامسفيلد المسؤول المباشر عن أعمال جنوده الحربية، " فطار " إحتمال السقوط في الهاوية إلى أعلى حين بررّت له محكمة الكونغرس أن الأعمال اللاأخلاقية التي وقعت نأسف عليها، حيث تأكد لنا بما لا يقبل الشك بأنه لا يوجد ما يثبت أن هناك أوامر قيادية من المسؤولين في أجهزة الدولة الأميركية، بالقيام في هكذا أعمال..!!؟ الذي طار من الهاوية رامسفيلد حين جاء بزيارة ودّية إلى العراق ليحقق في ما آلت إليه أوضاع أفلام التعذيب المصورة الباقية والكثيرة والتي هدّد فيها الكونغرس الأميركي بنشرها إذا إقتضت الحاجة أو طلبها منه.. الذي "وقع" هو الأسف على الأعمال والإعتذار من الأسرى بتعويضات وخروج الجنود الأميركيين الذين قاموا باعمال التعذيب المهين من الباب الآخر للسجون. والذي طار هو رامسفيلد وأعوانه عبر إصرار منافسيه في البيت الأبيض ك كولن باول بأنه " يدرك ماذا يفعل" مبرراً هذه الأعمال بأنها غيمة صيف، وإصرار رئيسه بوش أن ما قام به تحفة فنية تصلح أن يأخذ عليها مكافأة تقديرية عالية نسبة لجهوده في سبيل القارة الأميركية برمتها؟! والعرب تعلموا من رامسفيلد كيف يطيرون حين يصبح الأمر على قاب قوسين أو أدنى من سياسة حافة الهاوية، فتلجأ أجنحتهم إلى الطيران بخفة ورشاقة الطير فينفضون ريشهم إلى أعلى تاركين وراءهم فضائح موهومة عن أماكن فعلتهم. هذه السياسة عند الأنظمة القوية الحامية لقوميتها أما عند الأنظمة الضعيفة فهي عكس ذلك.. .. والذي يقرأ في السياسة ومنهجيتها يجد دون شك أن الأسباب الموجبة للطيران هي القوانين التي وُضعت كي تكون حماية للغني، وسجناً للفقير المظلوم والمضطهد والذي تقع على كاهله الأعباء في كل شيء. العبء هنا جمعه أعباء (وقس على ذلك أمثلة:) عبءٌ في البناء وعبءٌ في الهدم.. عبءٌ في الحياة، وعبءٌ في الموت.. عبءٌ في القرار، و عبءٌ في التنفيذ.. عبءُ اليقظة، وعبءُ الحلم. عبءُ التواصل مع الذات، وعبءُ الإنقطاع عن الناس.. عبءُ رغيف الخبز، وقارورة الغاز، وتنكة البنزين، وإيجار البيت، وفاتورة الكهرباء والهاتف والرصيف، وإنجاب الأولاد قبل التفكير بتعليمهم، والضرائب غير المباشرة والمضافة، وبالمقابل نجد أعباء الإهمال والفساد والتردّي الإقتصادي والإجتماعي والأخلاقي، والمديونية العامة، وإستفحال البغي وسياسة الرقيق، ومصالح " الكارتيلات" وفحش السوق المديني والقروي، وبيع الهواء، والإستخفاف بعقول الناس.. وتربيحهم " جميلة" أنهم وُلدوا في أنظمة عربية، أكثرها يحمل شعارات إسلامية كالعدل والطمأنينة والأمن والمساواة للحقوق الضعيفة المستلبة للأقليات كونها تحمل صفة أهل الذمّة. كل هذا يأتي ضمن سياسة حافة الهاوية التي يطير فيها المسؤولون عن العجز، بأجنحة أسرع من البرق، فتلصق التهمة ضد " الفقير" و"المواطن" و"الآدمي" الذي لا غبار عليه.. فتصير الغبار في صحارى النقب وتبوك، أو الربع الخالي، تأخذها ريح شط العرب. لم يتأسس في بلداننا العربية لفعل الأحزاب بالمعنى الحقيقي للكلمة، لأن الأحزاب الكبيرة جاءت بقادتها، ورحل القادة بسموم الظلم وسياسة الطير، وخفافيش الليل، فلم يعد يوجد مَن يدافع عن عقائد ليست ملكاً ولا هاجساً للمؤتمنين عليها والمقتنعين بها ما سوى قلّة قليلة، بل إستعملوا " السياسة الرامسفيلدية" على حساب نضالات قادتهم وعقائدهم الكبرى للوصول إلى أغراضهم الذاتية. مَن تجرأ أن يقول أنه أخطأ في كل أنظمتنا العربية.. وأن يعترف إنسان لآخر أنه كان على حق فيما يقول.. مًن يستطيع أن يشير إلى مكامن الخلل بوضوح وصراحة إلى جنازة القتيل الشهيد ويعلن بصدق عمّا يدخل جوانيَّه إلتصاق المال بدم الشهادة، مَن بمقدوره أن يعرّي ذاته ضمن مجتمع ذكوري ديكتاتوري مصاب بعقدة الغثيان والكراسي، والطوابير المنتظرة ـ وسلام الله عليه ـ والمقدسات المشغولة عنّا ونحن بها لاهون، إلى حقيقة رسم صورة واعية لإنسان النظام الجديد الذي نتحرى عنه.. ونبقى نتحرّى عنه.. أليس من المشين، أن نترك لرامسفيلد أن يتقمص شخصيتنا فيحاربنا بما هو نحن.. ولا مَن يصرخ ويقول نحن أنظمة فاسدة ولعينة ولا تشبه إلاّ سياسة الطير على حافة الهاوية؟ مَن سيرفع الصوت عالياً ليشير إلى فداحة وفظاعة أنظمتنا ومسؤولية أحزابنا الوطنية والقومية في مواجهة الأجيال المقبلة.. أم سنبقى واقفين صفوفاً وراء رامسفيلد وأعوانه وخلاّنه وأعمامه، ننتظر لعنة التاريخ؟!
الاربعاء, 05 سبتمبر, 2007
لا يدرك سياسة حافة الهاوية إلاّ الطير. أي كل ما يطير بالمطلق. ووحدها الطيور لا تخاف حافة الهاوية، فهي قلما تقف في وسط الأشياء، بسبب تطرفها لا لأنها تحمل أبعاد رؤيتها، بل لأنها صاحبة خفّة ورشاقة في حركتها، وأجنحتها تساعدها بشكل رهيب على تأمين الهروب عبر الدفاع عن نفسها. فشجاعة الطيور بأجنحتها التي لا تخلّف وراءها سوى واقع حالها أو خوفها وهو ما ندعوه نحن " بالهروب ثلثي المراجل"!؟
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية








