إن الشعر مؤسَّس على اللغة ، والشعر الراقي هو مداعبات لغوية ، ومزاوجات صوتية تفعِّل الرؤيا الشعرية ، وتشحن الموقف الشعري ، وعلى هذا :" ليس الشعر مجرد مجموعة من العواطف والمشاعر ، والأخيلة ، والتراكيب ؛ بل هو طاقة تعبيرية تشارك في خلقها كل القدرات والإمكانات الإنسانية مجتمعة ، وتقوم بخلق عالم مراوغ ، لا يبوح بكل شيء ، بل يوحي ولا يقول ، وربما هذا ما جعل جان كوهن يعتبر الشعر انزياحاً عن معيار هو قانون اللغة ؛ ذلك أن الشعر هو صياغة لغوية غير اتصالية مكتظة بالانزياحات والالتفاتات الصادقة للتنظير والبلاغة وسائر المعاني ، تستثمر كل التشكيلات الحادثة في اللغة ، لكنها لا تخضع لقياسها وتنميطها ، ولا تقف عند هذا الحد بل تعمد إلى الدفع بتلك الانزياحات اللغوية إلى حدودها القصوى ، وقد تصل بها إلى اللامعقول من الكلام " ([1]). مما جعل لغة النص الشعري – على حد تعبير الناقدة : الخامسة علاوي – "إحدى الجماليات العصية التي تواجه النقد في الشعر المعاصر " ([2]). لهذا ، قد يعجب المرء ببعض النتاجات الأدبية العصية باللغة ، المتمردة على الفهم ، وبداهة التأويل ؛ وهذا ما لمسناه في لغة الشاعر نعيم تلحوق الشعرية ، إذ يلفتنا بلغة شعرية انطوائية انزياحية هامسة – إن جاز التعبير – تحاول كسر الديالكتيك الصخبي السريع بالمحاورة الذهنية والمداعبة اللغوية ، والمزاوجات الصوتية على صعيد الخواتيم والاستهلالات . ونحن من خلال مطالعتنا لتجربة نعيم تلحوق الشعرية منذ ديوانه الشعري الأول الموسوم بـ " قيامة العدم " الذي أصدره الشاعر عام 1986نلحظ أنّ ما يشدُّنا إلى عالم التلحوق الشعري هو شعرنته للغة بتجاوز قوالب اللغة ، خرقاً ، وتمرداًَ ، وانتهاكاً ؛ إذ يملك التلحوق رؤية شعرية عميقة ، وتجربة شعرية مثيرة غنية بالأحداث ، والمواقف ، والتطورات ، والمفاجآت ، والتصدعات ؛ فهو شاعر إشكالي ، ديالكتيكي مثير ، قادر على شعرنة معظم المواقف والأحداث ، برؤى شعرية غائرة في التغريب والتجريد . وأكثر ما يميز تجربة نعيم تلحوق الشعرية انبناؤها على مقومات أسلوبية جدلية ، مؤسسة على الانكسار ، والتشظي ، والتجاوز ، أكثر من التناغم ، والتمازج ، والتآلف ، ويمكن أن نحدِّد أهم المثيرات أو المحفِّزات الشعرية التي تحقق الإثارة في شعره ممثلة بالمثيرات التالية : أولاً – شعرنة الموقف أو اللحظة الشعرية المأزومة أو المصدومة . ثانياً – شعرنة اللقطة المشهدية التجريديّة المباشرة . ثالثاً – شعرنة الحدث بالقلق النفسيّوالمباغتة المشهديّة . رابعاً – شعرنة المونتاج الشعريّوالكولاج المقطعيّ. خامساً – شعرنة لغة القصّوديالكتيك السرد السريع . سادساً – شعرنة اللغة بتجاوز اللغة [ الانتهاكات اللغوية / وتمركز الدالات والمدلولات ]. سابعاً – شعرنة التشظي بين [ الانكسار المشهدي / والتناغم الصوتي ] . ثامناً – شعرنة التغريب الشعري بين [ المزاوجات الصوتية / والمثنويات الإضافية ( المضافة ) ].
أولاً – شعرنة الموقف أو اللحظة الشعرية المأزومة أو المصدومة بين [ التوتر / والانكسار ] : الشعر موقف ، ولحظة انفعالية مشهدية مأزومة يفجِّرها الإحساس بالواقع ، وتناقضاته . وبقدر ما يتفاعل الشاعر مع الموقف و اللحظة الشعرية المجسدة بقدر ما تشغل رؤيته حيِّزاً مهماً من الواقع ، ومن ثم تتسع مدلولات النص الشعري في حدقة اللاوعي عند المتلقي ، مما يجعله يدرك عوالم مختلفة تلوح من وراء العمل الشعري ، والشعر المثير أشبه بالتمازج أو التلاقي الروحي بين الوعي واللاوعي في لمحة مكثفة أشبه بلحظة حلولية تنعدم فيها الفواصل بين الجانبين . ويعد الشاعر نعيم تلحوق من أولئك الشعراء الذين يفعِّلون اللحظة الشعرية . بإحساسها الواقعي النفسي ، بكل ما تمثله في المخزون الداخلي النفسي من مؤثِّرات لدى الشاعر والمتلقي على السواء ؛ وهذا ما نلحظه في قوله : " أدقُّ لكِ البابَ كي تقهريني ، / فأنا ملَكٌ متعبٌ من فرحةِ الوجهِ ، أُسقطُ دلالكِ على صدري كي تضيئي .. يقيناً بأنَّ جرحي لا ينامُ . وصوتُكِ رشُّ زهرٍ للقوافي ، وأعقابُكِ يظفرَون بي كسارقِ إرثٍ ، بادلَ كلَّ معانيهِ بأزرارِ وردكِ البنفسجي ، علَّ شبقاً من دمهِ يطيبُ .. * * * ما أَدراني ، أن نهدكِ ، يكتبُ ما يشاءُ على الورق ، يبحث عن صرَّةِ الأماني ، يرشقُ الناسَ بالأحلامِ المستحيلة ، / يغبُّ كلَّ دوالي البراري ، فلا يعودُ له الخمرُ .. / يروحُ ، ويبكي بقسوةِ الملتاعِ ، إلى حمأةِ النار .. كأنَّ به يصيب في كلِّ نقطةٍ تسقطُُ سكرةَ المحتارِ .. " ([3]). يفعِّل الشاعر اللحظة الشعرية من خلال تكديس العبارات والتراكيب الشعرية ، أي أنه يمزج الإشارات اللغوية مع الإشارات التصويرية أو " الصورية " في تفعيل اللحظة الشعرية ، وتعميق إثارتها المشهدية الحسية كما في قوله : " أدقُّ لكِ البابَ كي تقهريني ، / فأنا ملكٌ متعبٌ من فرحةِِ الوجهِ ، أُسقطُ دلالكِ على صدري كي تضيئي .. يقيناً بأن جرحي لا ينامُ " ، واللافت أن الشاعر يجدد اللحظة الشعرية ، ويجعلها تنطق بمخزونه الداخلي المسكوت عنه ، بمشاهد مأزومة ، مفعِّلة لدلالات النص المركزية التي تشي بالتوتر والتأزم والصراع، كما في قوله: " وصوتُك رشُّ زهرٍ للقوافي ، وأعقابُك يظفرون بي كسارقِ إرثٍ ، بادلَ كلَّ معانيهِ بأزرارِ وردِك البنفسجيّ ، علَّ شبقاً من دمهِ يطيبُ .. " . كما يكثِّف الشاعر اللحظة الشعرية من خلال تفاعلها مع المشهد الكلي حيناً ، وتجريد اللغة من معانيها الموروثة للتخفيف من وطأتها ودلالاتها الميتة أو الساكنة حيناً آخر ، وهذا ما نلحظه في التمركز الدلالي الإيحائي المكثف للمشهد ، كما في قوله : " ما أَدراني ، أن نهدكِ ، يكتبُ ما يشاءُ على الورق ، يبحثُ عن صرَّةِ الأماني ، يرشقُ الناسَ بالأحلامِ المستحيلة " ولعل أبرز ما يجسِّد اللحظة الشعرية ويفاعلها زمنياً – على حدد تعبير الناقد عبد السلام المسَّاوي – تلك الصور التي يتمُّفيها البحث عن الزمن الضائع ، أي غبطة استرجاع الطفولة كرد فعل يقي من الاستمرار في الشعور بالخوف من الموت والمجهول . ويتحدث مرسيا إلياد عن الطقوس الاستسرارية المتعلقة بالعودة إلى الرحم من أجل اكتساب ولادة جديدة ، أو للوصول إلى نمط أعلى من الوجود ، كأن يبتلع وحش بحري بطلاً ، فيخرج هذا البطل ظافراً بعد أن يشق بطن الوحش ، أو كأن ينزل صاحب الطقس إلى حفرة خطيرة أو شقٍّ يتمثَّل فيه فم الأرض أو رحمها . وهذا النوع من الطقوس إن هو إلا رغبة الإنسان في إخضاع الزمن ، وجعله شيئاً تابعاً لا متبوعاً ، وكأنه بذلك يريد العودة إلى الزمن الماضي . زمن البدايات ليكتسب الشباب والصحة باعتبارهما عاملين أساسيين ضد الزوال والفناء "([4]) . ومن المثيرات المفعِّلة التي تكثف الحظة الشعرية إثارتها المشهدية الصوتية والدلالية ، ومفاعلتها بالحدث الحيوي الطازج ، كما في قوله : " لم أزل ْأبكي ، أمي ، / وعيونِي تهادنُ الظلامَ ، / قبيلَ انطفاءِ الوردة ؛ لا تبحثي عنِّي ، لأني سئمتُ الكلامَ عن الجنةِ والعودة ، فأنا أضعفُ الإيمان أني سرقتُ بدني ، كي أحظَى بقبلةٍ .. فإن تكسرِي علَّتي ، يضيقُ الزمانُ بي ، وتصبحُ أحلامي نزوة .. أسرارِي ، يتيمةُ المأوى ، يبهرُني جُنوني ، حين يسقطُ ماؤكِ في فمي ، لأسكنَ رعشةَ الوقتِ، أختارُ ظنوني ، لئلا أرسمَ متاهةً بين اللهِ/ وبيني ، / فتمحوني عيوني ، سأبقى وفياً لخياناتِي ، لأن فيها نثرتُ جفوني ، وأبلغتُ الأرضَ بياضِ وجهي / والشمسَ بردَ سكوني "([5]) . لقد عمد الشاعر – في هذا النص – إلى تكثيف اللحظة الشعرية المأزومة من خلال تجسيد مشهد فراقه لأمه ، بصور تجريدية مأزومة تعتمد المشهد الحسي والديالكتيك التصويري المشهدي ، الذي يصل إلى قمة الفانتازيا التجريدية ، معتمدة ديالكتيك التفاعل المشهدي المأزوم المؤطَّر بالتلاشي والتشظي المشهدي ، كما في قوله : " عيوني تهادنُ الظلامَ، / قبيلَ انطفاءِ الوردة ؛ لا تبحثي عني ، لأني سئمتُ الكلامَ عن الجنةِ والعودةِ .... سأبقى وفياً لخياناتي ، لأنَّ فيها نثرتُ جفوني ، وأبلغتُ الأرضَ بياضِ وجهي / والشمسَ بردَ سكوني " . ويكثف الشاعر اللحظة الشعرية بعمق من خلال الانتهاكات أو المفاجآت اللغوية التي تدهش المتلقي بغرابة إسنادها ، وتجاورها الانزياحي المثير ، كما في قوله " نثرتُ جفوني / سأبقى وفياً لخياناتي / لأسكنَ رعشةَ الوقتِ " ، وهكذا عمد الشاعر إلى مفاعلة نصوصه من خلال تكثيف الموقف الشعري وتأزيم اللقطة المشهدية المكثفة بالتوتر ، والانكسار ، والتصدع الدلالي أي :عن طريق المغايرة التركيبية الإسنادية ، بهدف الكشف عن الدوافع والمكبوتات النفسية المكثِّفة للحظة الشعرية المشهدية أو لحظة التأزيم أو التوتر الشعري القصوى التي وصل إليها الشاعر . ثانياً – شعرنة اللقطة المشهدية التجريدية المباشرة : لا شك في أن اللقطة المشهدية التجريدية المثيرة تفعِّل الموقف الشعري ، وتزيد من كثافة الرؤية الشعرية عبر التخييل ؛ ويقصد بالتخييل هنا : " القوة الرؤياوية التي تستشف ما وراء الواقع فيما تحتضن الواقع ، أي تطل على الغيب وتعانقه وتتمازج معه فيما تنغرس في الحضور " ([6]). وعلى هذا ، يأتي المشهد الشعري مؤطراً فنياً ضمن ملمح مشهدي مكثف ، بديالكتيك انفعالي مشحون بحرارة اللحظة العاطفية المأزومة أو المتوترة ؛ كما في قوله : " تعبتُ منكَ يا دمي ، وأنا أفضُّ خرابَ الفصول ِفي ألغازكِ الحمرِ .. ضاقتْ أسئلتي ، قالوا ؛ بعدما أقفلتِ الريحُ بابَها على وجهِك ، وانتحر تْمن العيون ِأجفان .. / قلتُ : قبيلَ تغيب النوايا بسيفين حمَّلتكَ إثمي ، وغازلتُك لَّبريةِ الخلقِ بخوفي ، / والدارُ دارينْ ، والعلمُ علمينْ ، والطوفانُ عنيدْ ، / يهبطُ الأطفالَ بالحديدْ من أعلى الكلام .. يا الدمُ المماثلُ في أيامك العنبُ ، / أغثني ، وتبحَّر ، استيقاظكَ رحيلٌ ، وبحَّتكَ عويلٌ بعدَ انكسار "([7]) . ففي هذا المقطع يتشظى المشهد بالتجريد القائم على ديالكتيك التوتر ، والانفعال ، والتشظي ، والتنافر الذي يسم المشهد الكلي العام - على مستوى النسق النصي اللغوي - أو على مستوى النغمة الموسيقية التي تبدو متسارعة ، كتسارع الانفعال والحركة التصويرية المشهدية المباغتة للتركيب الشعري ، كما في قوله : " تعبتُ منكَ يا دمي ، وأنا أفضُّ خرابَ الفصولِ في ألغازكَ الحمرِ ... يا الدمُ الماثلُ في أيامِكَ العنبُ ، / أغثني ، وتبحَّر ، استيقاظُك رحيلٌ ، وبحَّتُكَ عويلٌ بعدَ انكسار " . وقد عمد الشاعر في رؤيته الشعرية إلى تجريد الصور ، لتبدو متشظية ، مبعثرة من الخارج ، متنامية ، متفاعلة من الداخل ، رغم تباعد اللقطات والمشاهد ، وكأن الشاعر من خلال التجريد يكسر حاجز التنميق والتنسيق اللفظي إلى التنافر والتشظي اللغوي على المستوى الصوتي والمشهدي ، كما في قوله : " حمَّلتكِ إثمي ، وغازلتُ كلَّ بريةِ الخلقِ بخوفي ، / والدارُ دارينْ استيقاظُك رحيلٌ ، وبحتُك عويلٌ بعدَ انكسار " . ويتخذ الشاعر المشهد العبثي التجريدي آلية فنية لرصد القلق ، والانكسار ، والانهيار النفسي ، كما في قوله : " ضاقتْ أسئلتي / غازلتُ كلَّ بريةِ الخلقِ بخوفي " ، فالذات الشاعرة تبدو في المشهد متوترة عبر تغليب منطق التشظي والتجريد على منطق التلاحم والتجسيد ، مما يجعل الصورة الفنية – هنا – تبدو متوترة / منكسرة - على المستوى المشهدي - تعكس وجعاً نفسياً يداهم دلالاتها ورؤيتها . ثالثاً - شعرنة الحدث بالقلق النفسي ، والمباغتة المشهديَّة : يعمد الكثير من شعراء الحداثة إلى شعرنة الحدث بالمباغتة المشهديَّة ، التي تكسر نسق الصورة وتفاعلها الديالكتيكي المثير ، لمفاجأة المتلقي بمشاهد متصدعة تشي بالانهيار والقلق والتصدع النفسي ، لهذا نجد أن الكثير من الشعراء يفعِّلون الأحداث ، ويراكمون المشاهد على نحو متأزم داخلياً ؛ مما يولد الإحساس بالقلق والتوتر والصراع النفسي العميق . ويعد الشاعر نعيم تلحوق من أبرز الشعراء الذين يفعِّلون الأحداث بالمباغتة المشهدية ، من خلال دينامية التشظي والانكسار المشهدي بين اللقطات المتراكمة والمشاهد السريعة التي تشي بالانكسار والاضطراب النفسي ، كما في قوله : " قضيتُ العمرَ، أدقُّ البابَ يا وطني / فما رأيتُ من يفتح إلا مقابرَ الوثنْ ، سمعتُ حينها ما استعادتهُ كبوتي / ورحتُ بالصراخِ أغلقُ منافذَ البدنْ .. ما عادَ صوتي الذي كنتُ أُضمرُهُ / بلْ صارَ رقصاً يلاطفُ حضرةَ الكفنْ "([8]) . هنا ، يفعِّل الشاعر الحدث الشعري بالقلق والتوتر النفسي ؛ إذ يأتي المشهد دينامياً على الصعيد النفسي والدلالي ، ابتداءً من الجملة الأولى : " قضيت العمرَأدقُّ البابَ يا وطني " ، ثم يفاجئنا الشاعر بالمباغتة المشهدية التي تأتي معترضة دلالياً بين النداء والجواب : " فما رأيتُ من يفتحُ إلا مقابرَ الوثنْ " ، وهذه المباغتة المشهدية تأتي تماشياً مع الرؤية الجمالية القائمة على إثارة الاندهاش والدهشة ، من قوله : " فما رأيتُ من يفتحُ إلا مقابرَ الوثنْ " ، دلالة على أن نداءه لا يسمع صداه وكأنه في واد سحيق ، لا تسمع صدى صوته إلا مقابر الموتى ، دلالة على أن الأحياء ما زالوا غافلين عن رد الجواب ؛ وعلى هذا ، تأتي المباغتة المشهدية في قفلة الختام ، مثيرة دلالياً ، كما في قوله : " ما عادَ صوتي الذي كنتُ أضمرُه / بل صارَ رقصاً يلاطفُ خضرةَ الكفنْ " . وكأن نداءه قد تحوَّل من نداء الأحياء إلى نداء الموتى ، لعلهم يحسون بمعاناته بعدما عجز الأحياء عن رد النداء ، استعداداً للنهاية المنتظرة ، وهكذا يبدو الحدث قلقاً متصدعاً بالمباغتة المشهدية التي تدل على قمة الانكسار ، والقلق ، والوجع النفسي الذي يلف الذات الشاعرة . وقد يفعِّل الشاعر الحدث بالتصدع والانهيار النفسي ، أو بالتجريد اللغوي الذي يَغرَق في التشظي والتلاشي والانكسار ، كما في قوله : " استولَى وجهُك عليَّ/ وبقيتْ يداكَ معلقتانِ في المتاهْ.. جسدِي مهزومٌ ، وروحي أغنيةُ الصمتِ ، / تدفعُ دمي موسيقى السجَّانِ / الحاضرِ في لفافةِ التبغ أوقظُ شمساً بليدة ، تخشى قشرةَ الليل . / وأنا أجامعُ معصيتِي / وأدوزِنُ وترَ الغسلِ على مرأى النيام .. / هم غادروا الوقتَ قبل أن يسمعني الكلام / وليس في جيبي سوى لغة حيَّكها الظلام " ([9]). يتضح – هنا – أن الشاعر يعبِّر بعمق دلالي عن الأزمة النفسية التي تمر به ، فكل شيء مهزوم مشتت منكسر أمامه ، لهذا يحاول الشاعر أن يعيد التوازن لذاته المتشظية المنكسرة ، التي تؤسس مشهديتها على التناقض والتأزم والانهيار ، لكن يحاول الشاعر – رغم ذلك جاهداً - أن يعيد التوازن لذاته المتشظية المنكسرة ، المؤسسة على التناقض والتأزم والانهيار لكن دون جدوى ؛ فالذات الشاعرة يسكنها القلق والتوتر والصراع ، وهذا ما انعكس على جدلية العلاقات اللغوية المؤسسة لشعرية النص ، كما في العلاقات الإسنادية أو التركيبية التالية : " جسدِي مهزومٌ/ روحي أغنيةُ الصمتِ/ أوقظُ شمساً بليدةً / أجامعُ معصيتي / ليسَ في جيبِي سوى لغة / حيَّكها الظلام " . كل هذه الإسنادات قلقة متوترة يكسوها الفوضى ، والتشتت ، والانكسار ، ويتضخم من خلالها الإحساس بالتوتر ، والاختناق ، واليأس ، والتمزق ، والانهيار " تدفعُ دمي موسيقى السجَّانِ الحاضرِ في لفافةِ التبغِ " . ويعمد الشاعر - أحياناً – إلى تأزيم الحدث بالمباغتة المشهدية التي تعبر عن الثورة والتمرد والعصيان ، كما في قوله : " لن ينتهي عصرُ الغزاة ؟ ! / وصدَّقتُ أن دربي لا يستطيعُه إلا الراسخونَ في الغيبِ، وفي الحلمِ، وفي الصلوات ... / وصوتُ أبي يعرِّش في أُذني : " لا تلبسْ خوفَ الفقراء ... " دعهُم يسكنونَ حجَّة َالشمس . / ويقذفون بعرِّيهمْ وجهَ الخضرةِ/ يداعبونَ القمرَ بأحلامِهم ، وأفكارِهِم ، ويحزنونْ.. / دعهُم يحزنون ، عسى بذلك ، يحجبونَ الضوءَعن روايةِ القتيلِ، الذي ملَّ الأزمنةَ، وراحَ يعانقُ المستحيلْ.. ؟؟ "([10]) . هنا ، يتوحد القلق والتشظي – في هذا المقطع – بالذات الشاعرة ، فيبدو المشهد مشهداً ارتكاسياً يعكس جبن الفقراء ، واستسلامهم لحزنهم وفقرهم ، مما يجعل الذات الشاعرة متمردة ، ثائرة في واقعها المأزوم الذي نعيش فيه الجبن والفقر والأحلام الهزيلة : " وصوتُ أبي يعرِّشُ في أذني : " لا تلبسْ خوفَ الفقراءِ .. دعهم يداعبونَ القمرَ بأحلامِهم ، وأفكارِهم ، ويحزنونْ " . وهنا ، تبدو الذات الشاعرة متمردة ، ثائرة على كل أشكال الضعف والعجز والانكسار أمام سطوة وجبروت الآخر ، تحاول معانقة المستحيل في فك جمود الزمن الجهم وبعثرة الأحلام الهزيلة بالعزيمة والإصرار " ... الذي ملَّ الأزمنةَ ، وراحَ يعانقُ المستحيلْ ؟ ؟ " ، وهذه المباغتة المشهدية في تأزيم الحدث وتفعيله من مولدات الإثارة الشعرية على المستوى الدلالي والنفسي في قصائد نعيم تلحوق الشعرية ؛ مما يجعلها تشي بدلالات نفسية غائرة في باطن اللاشعور ، في فضاء دلالي مشحون بدلالات مكتظة ومتفاعلة على مستوى التناغم والتآلف المشهدي العام . رابعاً - شعرنة المونتاج الشعريّ والكولاج المقطعيّ : لقد أفادت القصيدة الحداثية المعاصرة من تقنيات مونتاجية عديدة ، ومن فنون بصرية أخرى كالسينما والرسم ، والمسرح ، والقص ؛ وقد اعتمدت في تكثيف شعريتها على الإفادة من تقنياتها المختلفة ، نذكر منها التقنيات التالية : " المونتاج ، والتقطيع ، والكولاج ، والخطف ، والتوليف ، والحذف ، والمزج ، والتكثيف ، والانتقاء ، والتوجيه .. " وقد اعتمد نعيم تلحوق في شعرنة قصائدة على المونتاج الشعري ، والكولاج المقطعي في تقسيم النص إلى خطوط ، وفواصل ، ومقاطع شعرية أو مشاهد شعرية متقطعة حيناً ، ومتداخلة متفاعلة حيناً آخر ، بمعنى أدق : لقد أفاد نعيم تلحوق من التقنيات البصرية السابقة في رسم أبعاد المشهد ، وتحريكه بالألوان المتداخلة ، واللقطات المتفاعلة على مستوى المشهد الكلي العام . وقد استطاع نعيم تلحوق - بمهارة واقتدار – أن يفعِّل نصوصه الشعرية بالاعتماد على الكثافة المشهدية في مونتاج قصائده ، فجاءت لقطاته المشهدية متفاعلة ، متضافرة على مستوى المشهد الكلي العام ، كما في قوله : " وحيداً ، ألمُّسفرةَأشجاني ، وأودعُها بوَّابةَ الليلِ، لتكسرَأحزاني / وأغفُو على وسادةِ الخوفِ. وحيداً ، أراقصُ أحلامِي ، فتحرسُها القبيلةُ، / ألفُّها جَسداً ، أغوي بها حارسةَ القبرِ، لتبعثَها إلى أبي ، بعد شرودِ الغياب .. وحيداً ألامسُ شعرَ أمِّي قبلَ الفراقِ، / وأنهرُ سمعتي ببعضِ عتب ، يدخلُ صمتي ، لما ذا لا تنسى أنْ العريّ هو الحياة ؟ ! ويدقُّ العارفونَ بابي ، ألن تعودَ أمكنتُك البليدة / التي سرقتْ وحشتَك ، وغرَّبتَك ، وصرتَ كأنكَ تعودُ أحمالكَ الثقيلةْ؟ وحيداً / أرنُّ الكأسَ ، أشفي غليلَ متاهي ، من لعنةِ الغفوِ على قبحِ القتيلة ، كأني أسترُ بخمار اللوزِ ما علقَ في ذهنِ الأنبياءِ من كتبِ الرذيلة . أعدو على جرحٍ تنادَى عيبُهُ، فأثملَ غماماً على وجهِ القتيلة !! لن أصدِّقَأني وحيدٌ، وأني سأبقى .. بابَ كليلةْ.. " ([11]). تتكون هذه القصيدة من عدة لقطات مونتاجية ترصد حالة الشاعر القلقة المتوترة مع أشجانه ، وأحلامه ، وصمته ، وقلقه ... ؛ فالنص مونتاج لمجموعة لقطات مشهدية متناهية ؛ متفاعلة على مستوى التشتت ، والتصدع ، و الانكسار ، والقلق ، والوحشة ، كما في المشاهد المتتابعة التالية : [ ( - وحيداً ، ألمُّسفرةَ أشجاني ، أودعُها بوابةَ الليل ... – وحيداً أراقصُ أحلامِي فتحرسُها القبيلةُ... 3 – وحيداً أُلامسُ شعرَ أمي قبلَ الفراق - وحيداً أرنُّ الكأسَ ، أشفي غليلَ متاهي )] واللافت – على مستوى التناغم والتآلف المشهدي العام في النص – التوازن والانسجام على مستوى المشاهد الجزئية الذي ينتج عن جمالية التشكيل المونتاجي بين اللقطات ، ولكن التناقضات والفجوات الدلالية على مستوى الإسناد هي التي تحدث الانسجام الجمالي عند تجاورها ، كما في قوله : " كأني أسترُ بخمارِاللوز ِما علقَفي ذهنِ الأنبياءِ من كتبِ الرذيلةْ/ أعدو على جرحٍ تنادَى عيبُهُ/ فأثملَ غماماً على وجهِ القتيلة " . ونلحظ – على مستوى التفاعل المشهدي – " التشابك التفاعلي بين المشاهد ، والتشابك عنصر أقوى من عنصر الترابط ، لأن الترابط درجة بسيطة في النص " ([12]). وهذا التشابك يتمثل في تآلف المتجاورات حيناً كما في قوله ( أرنُّ الكأسَ– لعنة الغفوِ– خمار اللوز – كتب الرذيلة " والمتناقضات حيناً آخر ، كما في قوله :" وسادة الخوف – سفرة أشجاني – شرود الغياب – أنهرُ سمعتي – أُراقصُ أحلامي ... " . فالمونتاج المتشكل من اللقطات والمشاهد المتفاعلة - على مستوى المشهد الكلي العام - هو الذي يميز النص جمالياً عن غيره من النصوص ، وكأن الشاعر من خلال تكرار لفظة " وحيداً " تكراراً مقطعياً ( لزومياً ) يشي بأوجاعه ، وآلامه ، وتصدعه النفسي أمام لعنة القبيلة وجراح الواقع وجموده : " كأني ..... أعدو على جرحٍ تنادَى عيبُهُ، فأثملَِ غماماً على وجه القتيلة !! " ثم يفاجئنا الشاعر بالمباغتة المشهدية المفاجئة في قفلة الختام : " لنْ أصدِّقَ أني وحيدٌ، وأني سأبقى .. بابَ كليلةْ.. " . وهكذا ، يتوحد التصدع والوجع بالذات الشاعرة حينما تجد نفسها وحيدة تمجُّ المرارة تلو المرارة ، والجراح تلو الجراح ، حيث يتحول المشهد بالكامل إلى وحشة وجراح وتوتر وقلق وتصدع نفسي على مستوى التراكيب والمفردات والصور واللقطات المشهدية المتتابعة من بداية المقطع إلى نهايته . خامساً - شعرنة لغة القص ، وديالكتيك السرد السريع : لقد حاولت القصيدة الحداثية اعتماد لغة القص أسَّاً دلالياً لها في تفعيل المشاهد الشعرية عبر ديالكتيك السرد السريع ، وهذا الأسلوب ترتكز عليه القصة في تأزيم أحداثها ، وتكثيف لقطاتها المشهدية في تصوير الحدث ، ورصده بكيفية فنية عالية ؛ وقد لجأ شعراء الحداثة إلى هذا الأسلوب الفني الجديد لشعرنة المشهد السردي عبر اللقطات المفاجئة واللغة السردية والوصفية الحوارية الخاطفة ، التي تعتمد السرعة في تكثيف اللقطات والصور والمشاهد ، مما يعمِّق دلالة النص بانفلات الوتر الشعري قليلاً لاستدراك تتابع المشاهد السريعة أو تأزيم لحظة الانفجار الشعري لتطرح رؤيتها بكيفية أكثر انفلاتاً وحرية ومضاعفة دلالية ، لخلق الإثارة الشعرية في المشهد الشعري على مستوى تفاعله الرؤيوي العام . وقد عمد الشاعر نعيم تلحوق إلى هذا الأسلوب في عدة قصائد ، نذكر منها قصيدة " اعتراف لعرَّاب الحقل " ، وقصيدة" زلفى " ، وقصيدة" بغداد عساف " ، ونمثل لهذه التقنية السردية بقصيدة : " شعاع التراب " ؛ إذ يقول فيها : " قبلَ أن يطفئَ رموشَ عينيهِ، / حمل َصلاةَ دمعهِ، ومضَى كانَ بين يديهِ شهباً يقارعُ به الريحَ ، / وفي غارب صوتهِ أسماءُ أطفالٍ تشغلُ الفضاءَ بألعابِها ، ولا تستريحُ/ ارتمى على بقعةِ الروحِ مغمَّساً بشعاعِ التراب ، لم يكن يرتضي لأحلامه الغياب / وقفتُ على باقة روحهِ ، استظلُّ الزمانَ الجديد ، وسألتُ على خوفٍ من الدثار : يا أنتَ .. لا تُغمض عينيكَ أخبرني كيفَ تمضي السنونُ خلفَ جفنيكَ / قلْ لي كيفَ رأيتَ المشهدَ الصارَ مداداً للأمكنةِالجريحةِ؟ ! / لوى عنقَه نحوِي ، وتمتمَ: هي أجملُ الأسماءِ حين تختلفُ المداراتُ ، لا تشعرُ بالصوتِ يأتيكَ ، في داخلي جرحٌ ممنوعٌ يصرخُ في الأمداءِ ، أنا الصوتُ فجارِه .. ولا يبقى سوى الأطيافُ/ كأننا شجرٌ من خزامْ ، / نركبُ أوجاعَنا على ثقلِ هويتنا ونمضي / فتصغر المسافاتُ/ يصيرُالظلُّ يماماً يصارعُ الأمكنة .. أنا هنا ، كأني إلى إلهٍ مستقيم .. / قفْ لا تقفلْ عينيك .. دعني أستفدْ من اشتهاءات ِالتوجعِ قبلَ الفراقِ.. / لماذا يحتملُ العشاقُ الصلب مسمولين بشهوةِ الانعتاق / وهامتُكَ لم تزلْ تحملُ ألفَ سٍّر واحتراقْ .. "([13]) . يفاعل الشاعر المشهد بالكامل من خلال ديالكتيك السرد السريع ، الذي يرصد المشاهد واللقطات بدقة فنية ، غاية في الإثارة والتحريض ، معتمداً أسلوب الحوار البنائي الفعال الذي يجري على لسان شخصياته [ الذات الشاعرة / والآخر ( العاشق الشهيد ) ] ، وهذا الحوار يأتي متسارعاً يكسر سينمترية السرد البطيء الممل ، وهذا ما يجعل النص بجملة كافة ينتج كثافة دلالية تحريضية تفضي إلى الإثارة والتعميق والتفعيل الدلالي على مستوى المشاهد واللقطات الجزئية ؛ فكل لقطة مشهدية جزئية ترتبط بالأخرى عبر دينامية الحوار الذي يأتي مفعِّلاً دلالياً ومؤطَّراً فنياً ، كما في قوله : " لوى عنُقه نحوي ، هي أجملُ الأسماءِ حينَ تختلفُ المداراتُ ... نركبُ أوجاعَنا على ثقلِ هويتنا ونمضي ... فتصغر المسافات / يصيرُ الظلُّ يماماً يصارعُ الأمكنةَ.. " هذه اللغة الشعرية المشهدية تعكس دينامية الحوار الفني الذي يقوم على الاندهاش والدهشة من اللقطات والصور الحوارية التي يبثها المشهد - بشكل عام - على لسان شخصياته التي تأتي مدبلجة شعرياً تنطق بعذب الدلالات وأغناها وينهي الشاعر لغة القص بالمشهد الحواري المثير الذي يأتي مفعِّلاً بديالكتيك السرد السريع ، كما في قوله : " قفْلا تقفِلْ عينيكَ / دعني أستفدْ من استشهاداتِ التوجعِ قبلَ الفراقْ ... / لماذا يحتملُ العشاقُ الصلبَ مسمولينَ بشهوةِ الانعتاقْ / وهامتكَ لما تزْل تحملُ ألفَ سرٍّ واحتراقْ " . هذا التساؤل المثير هو ما يسرِّع السرد ، ويكسر حاجز السرد البطيء ، ويفعِّل المشهد ، ويفتح الدلالات أمام المتلقي لتعددية التأويل وتراكم الاحتمالات . مما يكسب النص الشعري بعداً جمالياً مكثفاً على المستويات الشعرية والتعبيرية والأسلوبية كافة . سادساً – شعرنة اللغة بتجاوز اللغة [ الانتهاكات اللُّغوية / وتمركز الدالات والمدلولات ] : عمدت القصيدة الحداثية إلى تفجير نظام اللغة من حيث بنيتها المعجمية ، والإسنادية ، والتركيبية ، من خلال الانتهاكات اللغوية ، والإسنادات المجازية الغريبة التي لا تقيم حدوداً معقولة لتشكيلاتها اللغوية ، فأصبحت القصيدة المثيرة ، تلك القصيدة التي تتضمن أكبر درجة ممكنة من الخروقات اللغوية الغريبة التي تعكس لا منطقية الإسناد ، أو لا منطقية التركيب ، وكأنها " تضع القارئ في سياق شعري لا يؤمن بالمهادنة ودغدغة العواطف ؛ بل تجبره على التدبر والتأمل ، خاصة وأن الشعر لا يؤمن إلا بالإيحاء والرمز ، مما يجعل القارئ مضطراً بين الحين والآخر إلى التسلح بقواميسه ، وإلا التبست عليه العوالم الدلالية لبعض القصائد ؛ مما يساهم في تعميق الوعي المعجمي بالكثير من المفردات " ([14]). واللافت أن أغلب قصائد نعيم تلحوق الشعرية تعتمد الانتهاكات اللغوية الغريبة تارة ، والانتهاكات البديهية التي تعتمد تمركز الدالات والمدلولات تارة أخرى ، بمعنى أدق : إنه يفاعل القصيدة بالانتهاكات اللغوية البعيدة المثيرة لإدهاش المتلقي ، والانتهاكات البسيطة تارة لدفع المتلقي إلى متابعة النص ، وعدم نفوره منه بالغموض ، والتشظي ، والتلغيز الإسنادي البعيد . ومن أبرز المقاطع الشعرية التي تعتمد في إثارتها المشهدية على براعة الانزياح وغرابة الانتهاك قوله : " تناولتْ زوجتي الصباحَ من جفونِها / وقدَّمتْه لقهوتِي مسكَ أقاحِ فوقعَ الهالُ من تغريدة ِالعمرِ صخبَ رياحِ.. كانَ السكينُ يطوِّقُ كفَني / حينَ استعرتُ من أَمسي كبدَ الحنيْن لأسكُنَ وطني "([15]) . إن ما يثير المقطع الشعري توظيف الانزياح بفعالية إثارية عالية ، من خلال إسنادات غير متوقعة لا يقبلها الذوق ، وتخلق فجوة : مسافة توتر قصوى بين المبدع والمتلقي ، كما في الإسنادات التالية : " تناولتْ زوجتي الصباحَ من جفونِها / وقدَّمتهُ لقهوتي مسكَ أقاحِ / فوقعَ الهالُ من تغريدةِ العمرِ صخبَ رياحِ . . " ، وهكذا ، يستحث الشاعر النص الشعري من خلال الانتهاكات اللغوية التي تفعِّل التجربة ، وتزيد من كثافتها الدلالية والشعرية في آن ، وهذا أكثر ما نلحظه في انزياحه المثير : ( حينَ استعرتُ من أمسي كبدَ الحنين / لأسكنُ وطني ) . هذا التركيب الزئبقي يقود النص الشعري إلى التكامل والانفتاح على دلالات لا متناهية تعمق فاعلية الدلالة ، وتنهض ببنية النص وخصوبته الجمالية . سابعاً - شعرنة التشظِّي بين [ الانكسار المشهديِّ / والتناغم الصوتيِّ ] لقد حاولت القصيدة المعاصرة مواكبة التطور التقني والفني حتى على صعيد المشاهد والأحداث ؛ فبدأت حركة حداثية نشطة نحو تفعيل الفوضى اللغوية أو العبث اللغوي من خلال تشتيت الرؤيا / وتكسير التتابع المنطقي للمشاهد واللقطات والصور الشعرية ، والإسنادات أو المشابهات القائمة بين طرفي الصورة الشعرية ، بمعنى أدق : خلق الديالكتيك الشعري بالتشظي والانكسار المشهدي ، وقد كان الباحث عالي بين سرحان القرشي محقاً في قوله : " إن الإبداع الشعري الحديث لا تجد فيه الذات معالم السكون والهدوء ، فالقصيدة تمردت على تركيب البيت الشعري وتفاعيله الذي كان يحدد مسكنها منذ البيت الأول ... والصور تترامى من هنا وهناك ؟ ! من الليل إلى البحر ، إلى الرصيف ، إلى الجوع ، إلى موائد المترفين ، ومن النسك ، إلى عطش الرغبة ، إلى المجون ، إلى ابتذال الحس الإنساني "([16]) . بمعنى أنها اتسعت لتشمل الحياة بكل صخبها وعبثها وجدلياتها المثيرة ؛ فلم تعد الصورة منمقة مؤطرة جمالياً بهالة من القداسة والتذويق ، بل أصبحت تجاري الحركة والمشهد باتضاعه وانكساره حيناً ، أو عظمته وهالته التهويمية المشهدية حيناً آخر . وقد استطاع نعيم تلحوق – بفنية واقتدار – العبث الفانتازي بالمشهد الشعري / وكسر ديالكتيك الائتلاف أو التوافق بين اللقطات والمشاهد المجسَّدة ، فجاءت مشاهده متصدعة منكسرة لا تنم إلا على تأزم نفسي وصراع داخلي عميق يطفو إلى السطع ممثلاً بالتشظي والانكسار على صعيد التراكيب والصور والمفردات ، على نحو ما نجده في قوله : " زهِدَ الطفلُ بيباسِ الحقلِ / وأخذ يئنُّ من التالياتِ ، مَنْ، سيكونُ غدي ، ولمنْ ، سأحلمُ ، لأُبقي شتائي دافئَ المسكِ ولِمنْ ، أسألُ أجوبةً طالما لا سؤال عندي . ولمن ، سأرشفُ كأسَ محبَّتي على ظلِّ جوفِ.. ولماذا ، سأبقى وحيداً كي أصنعَ الأرضَ.. ولماذا ، هي هذا القدرُ الممسوحُ نبيذي .. / ولماذا ... إذاً سأعترف بخصوبتي وبأني وُلدتُ .. ولماذا ، طالما .. لا اسمَ عندي يهوِّنُ عليَّ صوتَ العمرِ" ([17]). إن بنية القصيدة تقوم في إثارتها التعبيرية على التلاعب بالألفاظ وإعادة ترتيبها ، كما في قوله : " سأحلمُ لأُبقي شتائي دافئَ المسكِ / سأرشفُ كأسَ محبتي على ظلِّ جوفِ .. " ويمكن للمتلقي أن يلحظ معنا الانكسار والتشظي الدلالي ؛ والعبث الفانتازي في رسم الصور وتنميق دلالاتها ، لتبدو ناطقة بحركة النص الداخلية ، وكاشفة – بشكل أو بآخر – عن التفاعل أو التناغم الصوتي بين القوافي الداخلية والخارجية ( غدي – عندي – نبيذي ) ، ويؤكد هذا التفاعل التآلف الصوتي بين التراكيب كما في قوله : " لماذا ، هي هذا القدرُ الممسوحُ نبيذي / ولماذا ، طالما .. لا اسمَ عندي يهوِّن علي صوتَ العمر " . وقد يفاعل الشاعر المشهد الشعري بكامله من خلال الانكسار المشهدي والتناغم الصوتي ، كما في قوله : " لأني / أُطلي زجاجَ حديثي بمائي ، وأتخيَّلُ ظلِّي ، / وأعبثُ بلوني / وفضَّةِ خلقي ، أجهِّزُ سراجَ رحيلي / ولأني أنامُ على ريشِ قهري ، وأسمحُ للمدى أن يكسرَ عمري / أقاموا الحدَّ على ظمئي ، وأطاعوا الاختلاف " ([18]). ينبني المشهد الشعري – في المقطع السابق – على تقنية التشظي أو الانكسار المشهدي الذي يأتي في جملة الختام " لأني أطلي زجاجَ حديثي بمائي / ... وأسمحُ للمدى أن يكسرَ عمري .. أقاموا الحدَّ على ظمئي / وأطاعوا الاختلاف " ، وهنا ، تأتي جملة الختام : [ أطاعوا الاختلاف ] ، لتكسر النسق الشعري المتآلف ، وتحطم الديالكتيك السينمتري المنتظم ، ليبدو المشهد مثيراً في حركته النصية والنفسية في آن معاً ؛ وكأن الشاعر قصد إلى ذلك قصداً ؛ ليعبر عن الانكسار النفسي الداخلي ، والقلق والصراع والتوتر بين ذاته والمجتمع المتناقض من حوله : " أقاموا الحدَّ على ظمئي / وأطاعوا الاختلاف " . إن ظاهرة الانكسار والتشظي - في لغة الشعر المعاصر - لفتت انتباه النقاد ، وهذا ما أشار إليه الباحث الهادي العياري بقوله : " انطلق الاهتمام بالظاهرة اللغوية ، وصلتها بالإبداع الشعري منذ أعمال الشكلانيين الروس ، وازداد مع المدارس البنيوية التي استنطقت النصوص الأدبية ، ورامت الوقوف على أدبيتها بالكشف عن قوانينها الداخلية التي تنظم بنيتها ، كما أن الاحتفاء بالمظهر اللفظي من الخطاب الشعري وجد صداه لدى شعراء الحداثة الأوروبية ، إذ توجه اهتمام المبدعين إلى مسألة اللغة : أداة الإبداع . فكان التجديد اللغوي هاجساً من هواجسهم ، لأن الشعر عمل لغوي بالأساس ، وتعامل خلاق ونوعي مع الألفاظ والكلمات . لذلك سلك رواد الحداثة الشعرية مسالك بكراً في أقاويلهم الشعرية ، وأسسوا لطرق جديدة في الأداء والتعبير ، وغالى شعراء الحداثة في التجديد فحملوا جهداً تدميرياً للسائد الثقافي والأدبي ، وانتهكوا السنن الأدبية المستقرة ، واخترقوا القواعد ، وانزاحوا عن القديم ، فقوضوا الجاهز ، تقودهم في ذلك رغبة عميقة في المجاوزة ، ويستبد بهم حلم البناء بعد الهدم " ([19]). لا شك في أن الباحث الهادي العياري قد أصاب الهدف برؤيته ونظرته العميقة إلى لغة الحداثة الشعرية ، التي أسس شعريتها على تقويض القديم بالتشظي ، والتجاوز ، والانتهاك ، والانكسار ، لذلك يمكن القول : إن لغة الشعر المعاصر لغة انكسارية أشبه ما تكون بالمغامرة اللغوية التي تنزع إلى الاختلاف والانزياح في بنيتها التركيبية . ثامناً - شعرنة التغريب الشعري بين [ المزاوجات الصوتيَّة / والمثنويَّات الإضافيَّة ( المضافة ) ] : المقصود بالتغريب الشعري : " أن الكتابة الشعرية تقدم نفسها للقارئ ، وهي قائمة على البتر والنقصان ، لأن عالم الشاعر يكتظ هو الآخر بالفراغات وبالغياب والتغريب طالما أنه محاصر بالقلق والرعب " ([20]). والحال " أن نسيج النصوص مقدود من كلمات أو من علامات لغوية ممتلئة وزاخرة بالمعنى ، وعلى القارئ تُلقىمسؤولية التوليف بين الإمكانات الدلالية لألفاظ تلك النصوص " ([21]). ولعلَّ ولع التلحوق بظاهرة التغريب أو التشظي الشعري في نصوصه ، قد يثير التساؤل التالي : لماذا أغرق الشاعر بظاهرة التشظي الظاهري على هذا النحو المكثف في نصوصه ، خصوصاً في ديوانه الأخير : " يرقصُ كفراً ؟ " . إن الإجابة عن هذا التساؤل الضخم تعيدنا إلى نقطة البداية ؛ إذ إن الشاعر نعيم تلحوق شأنه شأن معظم شعراء الحداثة الذين يعتمدون في بلورة تجربتهم على تشظي المشهد ، وانكسار التراكيب ، وبتر الجمل ، والعبث في تركيبها ، للتعبير عن التصدع النفسي أو الانهيار والتلاشي والصراع الداخلي ، رداً على تشظي الواقع وعبثه وفوضاه ؛ لهذا يكثر الشاعر من مزاوجاته الصوتية ومثنوياته الإضافية ، وإسناداته المغرقة في الانزياح ، والانحراف ، والانتهاك إلى درجة تجعل نصه قائماً في تكثيف رؤيته على التغريب أو التشظي الظاهري الذي يخفي وراءه دلالات مكثفة لا يمكن إغفالها في بنية نصوصه الشعرية ، على نحو ما نلحظه في قوله : " لعلَّ تغيُّر وجهي ، منذ ألفِ زمان ، / ولعلي أبصرُ انحنائي ، كأني ، أجرُّ فوضايَ ، وأهلِّلُ لمسيحِ دمي ، أن يقرعَ بابَ التمني ، / فأصبحُ بلا صلبٍ ، أغنِّي ، أفيضُ / وأتركُ الليلَ يدورُ برأسي ، / ورملُ الكواكب يضيِّقُ دربي ، فأصبحُ ليلى أناغجُ الطريقَ ، وأدنو رعشةَالمصباح كغريقٍ جفَّ انتماءُ سكرته إلى الرياح ، وصار الفضاء .. فعدت أمني النفسَ عني ، لأني أقايضُ الشوك بهمي ، ليصهلَ خيلي ، ويزهرُ همسي ، بإذنِ غدي ، فأخسرُ يومي ، وأخسرُ أمسي " ([22]). ولعل أبرز ما يميِّز المشهد الشعري اعتماده على القطع والبتر في تركيب الجمل ، كما في قوله : " لعلي أبصرُ انحنائِي .. أجرُّ فوضاي أنْ يقرعَ بابَ التمني / أفيضُ / أتركُ الليل يدورُ برأسي " ، والانكسار والتشظي في رسم المشاهد واللقطات المتداخلة ، كما في قوله : [ يصهلُ خيلي / ويزهرُ همسي بأذنِ غدي ، فأخسرُ يومي / وأخسرُ أمسي ] ، إذ يلحظ القارئ أن الشاعر يكثر من مزاوجاته الصوتية ، ومثنوياته الإضافية أو المضافة : [ فوضاي – باب التمني – رمل الكواكب – رعشة المصباح – انتماء سكرته ] ؛ ومما يفجر وحدة النسق النحوي والتركيبي العدول في الإسنادات اللغوية ، كما في قوله : [ أقايضُ الشوكَ بهمِّي – أجرُّ فوضايَ – أتركُ الليلَ يدورُ برأسي – ويزهرُ همسي بأذنِ غدي ] ، وهكذا يصير النص الشعري ظاهرة حيوية وطاقة هائلة نابعة من ظاهرة التشتيت أو التغريب الشعري ، فيتخطى الشاعر الانقطاع الماثل على السطح ، ليقبض على المعاني في تضخمها وتناسلها ، مما يكسب النص الشعري سمة الاسترسال والانسياب والتدفق رغم الانكسارات والفجوات الماثلة على السطح . ومن مظاهر التغريب أن يزاوج الشاعر بين المثنويات الإضافية ، والمزاوجات الصوتية في تفعيل المشهد الغرامي ، وتعميق مظاهر إثارته ، كما في قوله : " يرنُّ على بالي هواكِ القادمُ من غرابة ، / يحاكي طيفي النائمَ في الشرود ، أصبحُ حلمكِ الماضي ، فأغفو على جنحِ عصفورٍ، ليطالني الله ، مدى شاءَ العشقَ ومدى كان العبور .. فأستيقظُ وحشتِي من شذا أحلامي / أبعدُها عن صرَّة أيامِي / أردُّها إلى آثامِ الدهور .. ليغفو الضجرُ فوقَ آمالي / فصمتي أخافَ العتمةَ .. وقلبي أنارَ العصور .. ارتحتُ من برودتي / حين تلبَّد جسدُك على كتفيّ / فصارع نسمةَ الروضِ طيباً ، يشمُّ عطرَه كلُّ النسور "([23]) . يفعِّل الشاعر المشهد الشعري بالمزاوجات الصوتية والمثنويات الإضافية التي تتمركز في الفواصل التقفوية المتآلفة ؛ كما في المزاوجات والمثنويات الإضافية التالية " شذا أحلامي – جنح عصفور – آثامُ الدهور – كلُّ النسور " . ولعل من نتائج هذه الظاهرة ظاهرة التغريب في النص السابق أن استطاع الشاعر أن يفعِّل القوافي تبعاً لمزاوجاته الصوتية ، فتأتي القوافي فواصل شعرية مثيرة على المستوى الإيقاعي والصوتي ، كما في الفواصل التقفوية التالية : " جنحُ عصفور – كانَ العبور – آثام الدهور – أنارَالعصور – كلُّ النسور " ، ناهيك عن تفاعل التقفويات الداخلية التي تتمركز كفواصل تقفوية مبطنة تثير المشهد ، وتحفز المتلقي إلى التفاعل مع المزاوجات التقفوية الداخلية والخارجية ، كما في التقفويات التالية : " أحلامي – آمالي – برودتي – كتفي – أيامي " ، وهذا التحول الدلالي والفني للكلمات هو الذي جعل القصيدة مكتنزة بالمعنى ، ينفتح نسيجها اللفظي على احتمالات كثيرة من الدلالة مما يثري تأويل النص ، ويفتح آفاق دلالاته وتأويلاته المرجعية ، فـ" القول الشعري كلامٌ سامٍ لا يحيل إلا على نفسه ، لأنه يمثل وحدة منغلقة ومسيَّجة لا تتصل اتصالاً مباشراً بالمرجع الحي " ([24]) . نخلص أخيراً من دراستنا لمستويات الإثارة الشعرية في قصائد نعيم تلحوق إلى النتيجة التالية : إن نصوص الشاعر نعيم تلحوق نصوص مفتوحة ، ثائرة ، متمردة على المستوى اللغوي ، تتكشف إثارتها من خلال تفاعل دوالها ومدلولاتها ؛ إذ تحدث نصوصه صلات فنية لاحمة بين أجزائها ، مانعة كل انفراط أو بياض فانتازي يدمر جمالية المشهد ودفقه الشعري ، مما يجعل نصوصه منفتحة على تأويلات ودلالات مرجعية لا متناهية . ([1]) علاوي ، الخامسة ، 2008 – التعبير بالتراث في قصيدة ( تجليات نبي سقط من الموت سهواً ) ، للشاعر الجزائري يوسف غليسي ، مجلة عمان ، ع 151 ، ص 20 ، وينظر : عزام ، محمد ، 2001 – النص الغائب ، منشورات اتحاد الكتاب العرب ، دمشق ، ص 21 . ([4]) المساوي ، عبد السلام ، 2007- تثبيت الذكريات .. أو الأدب في مواجهة الزمن ، مجلة عمان ، ص 11- 12 . ([6]) أدونيس ، علي أحمد سعيد ، 1983 – زمن الشعر ، دار العودة ، بيروت ، ط3. نقلاً من مقال المساوي ، عبد السلام ، ص 102 . ([12]) المناصرة ، عز الدين ، 2006 – علم الشعريات ، شعرية المنهج المونتاجي ، ع 61، كتابات معاصرة ، ص 16 .
الجمعة, 28 مارس, 2008
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية








